
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
كيف نعرف أنفسنا هل هي في زهد حقيقيّ أم كاذب؟ وماذا نصنع للتخلّص من الزهد الكاذب؟ كيف كانت نفوس المشاركين في قتل الإمام الحسين ولماذا وصلت إلى هذه الحال؟ وهل كانوا جميعًا من أهل الخمور وترك الصلاة أم أنّ بعضهم كان من أئمّة الجماعات وأهل الزهد الظاهريّ؟ ما هي العلاقة بين الزهد الحقيقيّ والعمل بالتكليف مهما كان ولو كان بصرف الكثير من الأموال وتناول الأطعمة اللذيذة؟ هل يدعو العرفان إلى ترك العمل وترك تحصيل المعاش؟! تجيب هذا المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة من بحث حقيقة التقوى ضمن شرح فقرة ذلك أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
9فكانوا يختارون أمثال هؤلاء لأمرٍ مهمٍّ كهذا، ولو أنّهم كانوا يختارون شارب خمرٍ متسكّعٍ في الأزقّة لما اتّبعه اثنان، بل كانوا يختارون إمام جماعة مسجدٍ وموضع مراجعة الناس ويغرونه بحطام الدنيا وبالمراكز، وبوعدٍ بحكومة الريّ، وأنّك إذا ارتكبت هذه الجناية أعطيناك حكومة الريّ وولايتها. ومن المعلوم أنّ إنسانًا كهذا والذي كان لسنواتٍ طويلةٍ هكذا وزهده معروفٌ إذا تهيّأت له الظروف في وقتٍ ما فإنّه يظهر على حقيقته أمام الناس فيتصدّى لقتل ابن رسول الله، نعم تفضّل أنت جيّدٌ جدًّا.
لقد قلت له هذا : الآن أنت إذ تأتي لقتل ابن رسول الله فإمّا أن يكون الحقّ معك أو مع الإمام الحسين ففي النهاية كلاكما كبيران، رجلان تقتتلان، فيقتل أحدكما الآخر وينتصر. ولكن يصل الإنسان إلى مرحلةٍ يقتل طفلاً رضيعًا ـ وواقعًا على الإنسان أن يلتفت هنا ـ طفلٌ أصغر من خمس سنوات وعشر سنوات، طفلٌ رضيع يأتي عمر بن سعدٍ هذا بعينه يأمر حرملة بأن يقتله وهو على يد أبيه وبتلك الحالة، فكيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هنا؟! فأين ذهبت تلك الصلوات وذلك الصيام وذلك الكلام؟! ولا عجب في ذلك، نحن نتعجّب الآن ولكن لا عجب، ألا يقع في زماننا هذا وفي عالمنا هذا من هذه الأمور؟ ففي كثيرٍ من البلدان تحدث هذه الجنايات وهذه الفجائع فما هو ذنب ابن خمس سنوات وعشر سنوات؟! وفي هذه البلدان يرتكب اليهود وأمثالهم هذه الفجائع فواقعًا ذلك الذي يرمي الرصاص ألا يدرك أنّ هذا الطفل ابن الخمس أو العشر سنوات لا ذنب له؟! هذا ما يدركه كلّ طفلٍ في العاشرة من عمره فكيف يمكن أن يصل الإنسان إلى هكذا مرحلة؟! فالإنسان الذي يصلّي ويصوم يصل بالقساوة إلى حدٍّ كبير، فهذا هو الخطر الذي لا تعجّب فيه أبدًا، فهذه هي خصوصيّة النفس وخصوصيّة الإنسان ولذلك يقولون: التفتوا التفتوا التفتوا واختبروا أنفسكم دائمًا؛ كي لا نصل في يومٍ من الأيّام إلى هنا. وإلا سنصل، سنصل يومًا إلى حيث لا يكون هناك شيءٌ مهمٌّ للنفس سوى تثبيت موقعها ولو كان هناك نبيّ لقطع رأسه وابن النبيّ أيضًا يقطع رأسه، طفلٌ رضيعٌ أيضًا ولا أهميّة لذلك أبدًا، لقد ابتلي بتلك الحالة وتلك الأوضاع وتلك الظروف؛ لأنّه لم يفكّر ولأنّه لم يختبر نفسه، لم يستنفر نفسه.
