
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
كيف نعرف أنفسنا هل هي في زهد حقيقيّ أم كاذب؟ وماذا نصنع للتخلّص من الزهد الكاذب؟ كيف كانت نفوس المشاركين في قتل الإمام الحسين ولماذا وصلت إلى هذه الحال؟ وهل كانوا جميعًا من أهل الخمور وترك الصلاة أم أنّ بعضهم كان من أئمّة الجماعات وأهل الزهد الظاهريّ؟ ما هي العلاقة بين الزهد الحقيقيّ والعمل بالتكليف مهما كان ولو كان بصرف الكثير من الأموال وتناول الأطعمة اللذيذة؟ هل يدعو العرفان إلى ترك العمل وترك تحصيل المعاش؟! تجيب هذا المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة من بحث حقيقة التقوى ضمن شرح فقرة ذلك أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
5وعلى كلّ حال إذا أراد الإنسان أن يوصل مراتب الإنسانيّة لديه إلى الفعليّة ويصل إلى مقام القرب، فعليه أن يسير في الطريق والمنهج والصراط الذي ساره أولياء الله والأئمّة والأنبياء، فقد كان أئمّتنا يقومون بهذه الأعمال التي نقوم بها نحن بعينها، وعلينا نحن أن نقوم بتلك الأعمال التي كانوا يقومون بها. فهل التفتّم؟! فلم يكن الإمام عليه السلام يجلس ويضع يدًا على أخرى وينتظر رزقه لينزل من السماء فيوزّعه على أسرته وأهله. كلاّ! فقد كان الإمام كغيره من الناس له مصدر من العمل والزراعة والتجارة وهكذا كغيره من الناس، وأحيانًا كانوا يعيشون السعة وأحيانًا ضيق المعيشة كغيرهم، غاية الأمر أنّ ما كان مهمًّا عندهم دون الآخرين هو أنّ ما يشتغلون به في هذه الدنيا لا يلهيهم عن تلك الغاية، أمّا نحن فيلهينا، نصادف معاملة فننسى الله، إذا شعرنا في مكان ما أنّ الحقّ مع فلان فإنّا نطرحه أرضًا. إذا رأينا في موضع ما أنّ الأمور تجري لصالح غيرنا أنهينا الأمر وحوّلناها إلى صالحنا، وفي الوقت نفسه نصلّي ونصوم، فصومنا وصلاتنا هذه لا تؤدّي بنا إلى مكان، أرضينا قلوبنا بأنّا نشارك هنا وهناك. ولكنّ الأئمّة وأولياء الله لم يكونوا هكذا، كانوا إذا رأوا أنّ الحقّ هنا، وإن كان فيه ضرر عليهم فإنّهم يُرجعون إليه، إذا جاء أحد يريد أن ينفعهم ماديًّا لم يكونوا يقولون نعم افعل كذا، وتعال إلينا، كلاّ، بل عندما كانوا يرون أنّ هناك آخر يمكنه أن يقوم بالأمر بنحو أفضل كانوا يقولون له اذهب إليه فإنّ حاجتك ستقضى عنده. فلان عنده هذه البضاعة بنحو أفضل ممّا عندنا، لم يكونوا يقولون: لا يوجد فلا تبحث عنه، لم يكونوا يقولون: لا فائدة منه، ولو ذهبت إلى مكان آخر فلا شيء، لم يكونوا يقولون هذا الكلام، لماذا؟ لأنّ نظرهم في هذه الدنيا هو أنّها ممرّ لا مقرّ، نظرة عبور ومعبر لا مسكن ومأوى، كانوا يجعلون هذه الأشياء في الطريق التي جعلها الله فيها... {ولا تنس نصيبك من الدنيا}۱، ما ينبغي أن يؤدّى كانوا يؤدّونه في مكانه، ولم يكونوا ينسون النصيب من الدنيا كما قال الله.
- سورة القصص، الآية ۷۷
