
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
كيف نعرف أنفسنا هل هي في زهد حقيقيّ أم كاذب؟ وماذا نصنع للتخلّص من الزهد الكاذب؟ كيف كانت نفوس المشاركين في قتل الإمام الحسين ولماذا وصلت إلى هذه الحال؟ وهل كانوا جميعًا من أهل الخمور وترك الصلاة أم أنّ بعضهم كان من أئمّة الجماعات وأهل الزهد الظاهريّ؟ ما هي العلاقة بين الزهد الحقيقيّ والعمل بالتكليف مهما كان ولو كان بصرف الكثير من الأموال وتناول الأطعمة اللذيذة؟ هل يدعو العرفان إلى ترك العمل وترك تحصيل المعاش؟! تجيب هذا المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة من بحث حقيقة التقوى ضمن شرح فقرة ذلك أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على نبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
ما هي التقوى الحقيقيّة والتقوى عند العوامّ؟
{يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به}۱
تحدّثنا بعض الشيء في الجلسات السابقة حول التقوى ذيل الفقرة الشريفة من كلام الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصري، وذكرنا أنّ التقوى ليست بمعنى الزهد المتعارف. فالزهد المتعارف والزهد المعروف بين العوامّ عبارة عن الإعراض عما يهتمّ به الناس في هذه الدنيا، الابتعاد عن المقام والموقع والرئاسة والمسؤوليّة، الإعراض عن النعم الإلهيّة الدنيويّة مثل أنواع الألبسة والأطعمة والأشربة والمسكن والعلاقات، فهذه في الاصطلاح المعاصر وبين الناس تعدّ زهدًا. فمن كانت ثيابه غير مرتّبة ولا يبالي بحال ثيابه هو زاهد، ومن لا يهتمّ كما ينبغي بطعامه ونوعيّة طعامه يعدّ زاهدًا، من لا يبالي بالمناصب إن لم تتيسّر له يعدّ زاهدًا، أو بالنسبة إلى المسكن يختار مسكنًا لا يهتمّ به الناس، فيعدّ زاهدًا، وأمثال ذلك، فالناس يقولون عنه زاهد.
ولكن نظرًا إلى الأمور التي طرحت في الجلسات السابقة، اتّضح للرفقاء والأصدقاء إلى حدّ ما أنّ حقيقة الزهد هي عدم تعلّق الباطن لا عدم التوجّه في الظاهر. فيمكن للإنسان أن يقوم بعمل ما بدواع مختلفة، وذلك الداعي والغرض هو الباعث إلى عدم الاهتمام في الظاهر، ولكنّ الناس إذ يشاهدون هذا الإنسان يظنّون أنّ مخالفة هوى النفس جعلته يقوم بذلك.
تعقيدات النفس الإنسانيّة واختلاف شهواتها
إنّ النفس الإنسانيّة لأعجوبة، ولها تعقيدات خاصّة وعجيبة وغريبة لا يمكن لأيّ إنسان أن يعرفها. فالنفس يمكن أن تبرز بأشكال مختلفة ومظاهر متنوّعة ولكلّ مرتبته الخاصّة، فيمكن أن تأنس نفوس البعض ـ كما تقدّم ـ بأن تظهر بهذه الهيئة، فلو فرضنا أنّه كان في مكان لم يكن فيه أحد ولم يكن بين المجتمع وسلبت منه هذه الآلة وهذه الوسيلة تجد أنّ وجهه قد تغيّر، تغيّر الوجه وتغيّر اللون، فلأنّه يرى أنّه لا يوجد أحد ينظر إليه ولا أحد يهتمّ به، فإذا أخذت منه هذه الوسيلة وهذه الآلة ووجد نفسه وحيدًا فإنّه يقبل على ما كان يفرّ منه، فهذا أحد الموارد التي يمكن أن تسبّب للإنسان زهدًا غير حقيقيّ وزهدًا مجازيًّا.
- سورة الحديد الآية ٢۸
