
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
كيف نعرف أنفسنا هل هي في زهد حقيقيّ أم كاذب؟ وماذا نصنع للتخلّص من الزهد الكاذب؟ كيف كانت نفوس المشاركين في قتل الإمام الحسين ولماذا وصلت إلى هذه الحال؟ وهل كانوا جميعًا من أهل الخمور وترك الصلاة أم أنّ بعضهم كان من أئمّة الجماعات وأهل الزهد الظاهريّ؟ ما هي العلاقة بين الزهد الحقيقيّ والعمل بالتكليف مهما كان ولو كان بصرف الكثير من الأموال وتناول الأطعمة اللذيذة؟ هل يدعو العرفان إلى ترك العمل وترك تحصيل المعاش؟! تجيب هذا المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة من بحث حقيقة التقوى ضمن شرح فقرة ذلك أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
17على الإنسان أن لا يبالغ أيضًا بل يقوم بالمقدار الضروري لحفظ نفسه وصحّـته وأنا لم أفعل ذلك فابتليت وابتليت. انظروا ماذا يقول العارف في حين أنّه هو نفسه لم يكن يتناول الطعام، وقد كنت أريد أن أقارن نفسي به إذ رأيته كذلك. كلا فإنّه إن لم يكن يتناول الطعام فإنّ حاله كان مختلفًا وأمره مختلف وكان في مرحلةٍ أخرى. والمرحوم العلامة نفسه كان يقول وذكر ذلك في كتاب الروح المجرد أنّنا إذا ذهبنا لتناول السحور معه نجده يتناول الخبز والخضار فكنّا نأكل معه فقضينا اليوم الأوّل بصعوبةٍ بالغة وفي اليوم الثاني أيضًا قضيناه بهذا الطعام من الخبز والخضار ولم يكن من أيّ نوعٍ من الخضار بل أوراق الفجل، كان يقول أكلنا معه فرأينا أنّه حتى وقت الظهر انتهى أمرنا ولم نعد نحتمل، فكنّا نأكل الخضار والخبز عند السيّد الحداد ونذهب سريعًا إلى البيت فنقول للأهل ائتنا بالطعام الذي أعددته، ففي النهاية لكلٍّ منهم حالةٌ خاصّة ومزاجٌ خاصّ وخصوصيّات، وعندما كنّا عند السيّد الحدّاد كان يسكب لنا الطعام بالقوّة ويقول: يجب أن تأكل، فلو قلت: لا أريد أن آكل، أريد أن آكل مثلك فهذه حماقة.
قم بعملٍ يجعل جسمك مركبًا لك أي أن تكون أنت الراكب على جسمك وتستفيد منه في كمالك لأجل روحيتك، لأجل ترقيك، لأجل دراستك ومطالعتك، لأجل عملك، لا أن تكون أنت مركب جسمك ويمتطيك هو ويقول لك خذني اليوم إلى هنا وأعطني هذا الدواء، وخذني اليوم إلى هذا المستشفى، فما هذا؟ ثم بعد ذلك نحن نسميّه زهدًا، كلا يا عزيزي هذا ليس زهدًا. الزهد هو أن يجعل الإنسان تعلّقه بالدنيا ومظاهرها بنحوٍ لا تتخذ هذه المظاهر روحه ونفسه مركبًا، إن كان في مكانٍ ما فلا يتعلّق به قلبه وإن كان في مقامٍ ما فلا يتعلّق به قلبه فلو قيل له اليوم يجب أن تترك هذا وتترك كلّ الأعمال التي أدّيتها على الأرض وتمضي إلى مدينةٍ أخرى تعيش فيها من جديد. يقولون لك اليوم كلّ هذه الأعمال التي قُمت بها والجهود التي بذلتها والعلاقات الإجتماعية التي أقمتها والكلمات التي ألقيتها والأعمال التي تقوم بها اتركها جميعها واذهب إلى مدينةٍ أخرى، اذهب إلى "ساوة" واستوطن هناك مهما كان شغلك فاشتغل هناك سواء كنت تاجرًا أو طبيبًا أو عالمًا فلا يرتبط قلبك بهذا المكان، هذا هو الزهد لا أن يقصّر الإنسان بالأمور أو يبالغ.
