
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
كيف نعرف أنفسنا هل هي في زهد حقيقيّ أم كاذب؟ وماذا نصنع للتخلّص من الزهد الكاذب؟ كيف كانت نفوس المشاركين في قتل الإمام الحسين ولماذا وصلت إلى هذه الحال؟ وهل كانوا جميعًا من أهل الخمور وترك الصلاة أم أنّ بعضهم كان من أئمّة الجماعات وأهل الزهد الظاهريّ؟ ما هي العلاقة بين الزهد الحقيقيّ والعمل بالتكليف مهما كان ولو كان بصرف الكثير من الأموال وتناول الأطعمة اللذيذة؟ هل يدعو العرفان إلى ترك العمل وترك تحصيل المعاش؟! تجيب هذا المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة من بحث حقيقة التقوى ضمن شرح فقرة ذلك أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
16إذا عمل إنسانٌ بهذا وكان في هذا السياق يُسمّى زاهدًا، هذه أوّل درجة التقوى، فإذن التقوى تعني الوقاية، أن يقوم الإنسان بجميع أعماله على أساس العقل، فهؤلاء الذين جاؤوا جميعهم وقعوا في المشكلات والانحراف فماذا كان هؤلاء؟ كانوا معروفين بين الناس بالزهد والإعراض، وقد كنت أرى بنفسي بعضهم في المجالس عندما تقدّم الفاكهة، فعندما تُقدّم الفاكهة يأخذ الإنسان واحدة ولكنّ بعض هؤلاء كانوا يحاولون أن يأخذوا أصغر واحدةٍ منها ويُظهرون للجميع أن ها نحن قد أخذنا الأصغر، عندما تُقدّم الفاكهة فإنّ مراعاة الأدب تقتضي أن يأخذ الإنسان ممّا أمامه لا أن يبحث عدّة مرّات وينتقي الأفضل فهذا نوع آخر، كلاّ بل ما هو أمام كلّ إنسانٍ فهو نصيبه فليأخذه وليضعه أمامه.
فلو كان هناك إنسانٌ يفعل ذلك عمدًا فلا يأكل من الطعام الموجود وسط المائدة فيجلس جانبًا ويأكل الخبز والجبن مثلاً فلو فعل إنسانٌ ذلك عمدًا فماذا سيكون؟ كلّ ذلك خداعٌ، كلّ ذلك لخداع الناس الموجودين هناك، لخداع الناس. وهؤلاء هم الذين ابتلوا بالانحراف في الولاية وفي المعتقدات وفي الخصوصيّات (النفسية) ، فلتأكل يا سيدي.
السيّد الحدّاد: اجعل بدنك مركبًا لك ولا تكن مركبًا له
كنت يومًا عند السيّد الحداد رحمة الله عليه وحينها كان ذهني مشحونًا بهذه الأفكار الخاطئة ـ وكان عمري يقارب السادسة عشرة أو السابعة عشرة ـ وكان يقال في النهاية: ينبغي للإنسان أن لا يأكل كثيرًا. وذات يوم كنّا جالسين على المائدة فقال المرحوم العلامة للسيّد الحداد: سيّدنا انصح السيّد محسن؛ هذا فقد صار زاهدًا عابدًا لا يمدّ يده إلى طعامٍ ولا يقوم بشيء. فنظر إليّ السيّد الحداد وقال: يا سيّد محمد محسن قم بعملٍ يجعل جسمك مركبًا لك دائمًا. انظروا انظروا كيف يتكلّم العارف، عارفٌ لم يدرس الفلسفة ولا هذه الأمور ولا كتب علم الإجتماع ولا كتب الطبّ والصحة. قم بعملٍ في تناولك الطعام يجعل جسمك مركبًا لك دائمًا لا أن تكون أنت مركبًا له ويستحقّ هذا الكلام أن يأخذه الإنسان ويكتب فيه كتابًا، فلو تحدّثت الآن... ففي النهاية خلقنا الله بهذا الجسم أم لم يخلقنا؟ أليس لهذا البدن حاجات؟ ما إن أترك التنفّس أختنق وأموت وهكذا يحتاج جسمي إلى الطعام فإن لم أتناول الطعام أموت، وإن لم أمت ستتوقّف معدتي عن العمل، ستتوقّف كليتي، سيتوقّف قلبي، سيتوقّف كبدي، وسينشأ ألف مرضٍ، وحينها بدلاً من أن أشتغل بالمطالعة وبنفسي سأنتقل من هذا الطبيب إلى ذاك ومن هذا المستشفى إلى ذاك، ومن هذه العمليّة الجراحية إلى تلك، ومن هذا الدواء إلى ذاك، وسأُنفق من المال أكثر ممّا كان يجب عليّ إنفاقه في البداية وفق الطريق العقلائي والطريق المنطقيّ وما يُدركه العقل بمئات المرات، عليّ أن أنفق في شراء الدواء ففي النهاية المال هو المال لا يختلف، فمن هنا أترك تناول الطعام المناسب فأبتلى بألف مرضٍ ويجب أن أُنفق من المال في مائة مكانٍ آخر، فما هذا؟! إنّه حماقةٌ يا عزيزي وليس زهدًا، إنّه جهلٌ وحماقة.
