
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
كيف نعرف أنفسنا هل هي في زهد حقيقيّ أم كاذب؟ وماذا نصنع للتخلّص من الزهد الكاذب؟ كيف كانت نفوس المشاركين في قتل الإمام الحسين ولماذا وصلت إلى هذه الحال؟ وهل كانوا جميعًا من أهل الخمور وترك الصلاة أم أنّ بعضهم كان من أئمّة الجماعات وأهل الزهد الظاهريّ؟ ما هي العلاقة بين الزهد الحقيقيّ والعمل بالتكليف مهما كان ولو كان بصرف الكثير من الأموال وتناول الأطعمة اللذيذة؟ هل يدعو العرفان إلى ترك العمل وترك تحصيل المعاش؟! تجيب هذا المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة من بحث حقيقة التقوى ضمن شرح فقرة ذلك أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
15حقيقة الزهد والعمل بالتكليف
فليس الزهد أن يسير الإنسان في طريقٍ خالٍ من التعلّق، يجب أن يكون باطن الإنسان بالنسبة إلى هذه المسألة باطنًا لا يبالي بهذه الأمور. وبعبارةٍ أخرى: ما ينبغي النظر إليه في موضوع الزهد هو هذا: ما يرى الإنسان أنّه تكليفٌ إلهيّ في هذه الدنيا فعليه أن يقوم به ولا يتجاوز عنه، وأن ينظر إلى هذا الجانب الإلهيّ في جميع علاقاته كخطوةٍ أولى، ثمّ ينظّم عمله بما يقتضيه هذا الجانب الإلهيّ ففي مكانٍ يتقدّم وفي آخر لا يتقدّم، وفي مكانٍ يعظّم وفي آخر لا يعظّم، وفي مكانٍ يقدّم خدمةً وفي آخر لا يقدّم، في مكانٍ يقف وفي مكانٍ يجلس، في مكانٍ يكون كما هو المتعارف بالنسبة إلى الأمور الظاهريّة وفي مكانٍ يتنحّى جانبًا، فعدم التعلّق بالدنيا وعدم التعلّق بالهوى يجب أن يكون له منشأ عقلانيّ، وهذا المنشأ العقلاني هو توجّه النفس إلى الباطن وتوجّه النفس إلى الله. مثلاً ماذا ينبغي أن يُفعل هنا؟ الناس يقولون هناك إفراط فليقولوا. الناس يقولون هناك تفريط فليقولوا، إنّه ينقص رعايةً للناس ومباهاةً فليقولوا. هنا يقول الناس إنّه ينفق كثيرًا فليقولوا. إن كان الأمر يقتضي فيجب، فإن قالوا أنفق الملايين والمليارات فليفعلوا. كلّ ذلك زهدٌ.
في موضعٍ ما يجب أن لا ينفق عندما يتوقّع منه الجميع ويدورون ويقولون: يا سيّد فلان أعطنا هذا المقدار ويا سيّد فلان أعطنا نريد أن نبني مكانًا حسينيّةً أو مسجدًا فأين ننفق؟ هناك يُبتلى بالمجاملات وينفق فهذا ليس زهدًا ولا يسجّل في حسابه شيء حتى قرش واحد ولا فائدة منه أصلاً، وهناك ينبغي أن لا يُنفق، وهناك ينبغي أن يقول بصراحة إنّ السيّد فلان ليس لديه مال، عليه أن لا ينظر إلى الناس بل عليه أن ينظر ما هو الأمر الذي يراه، ففي موضعٍ زيادةٌ وفي موضعٍ نقصان وليس المقصود الإفراط، فالإنفاق الزائد يختلف عن الإفراط. في مكانٍ يتكلّم وفي مكانٍ لا يتكلّم، يجتمعون في مكانٍ ما أن تفضّل وتكلّم هنا يا سيّد، أفض علينا، أفدنا، الآن الناس يتوقّعون، إن كانوا يتوقّعون فليتوقّعوا لأنفسهم لا معنى لهذا التوقّع، وفي موضعٍ هناك داعٍ لأن يتكلّم فيجب أن يتكلّم ويقول كلامه، يقولون له إن تكلّمت بهذا الكلام فيمكن [أن يسيء إلى أحد معيّن] فليكن، يجب أن يُطرح الأمر ويجب أن يصل الكلام إلى أسماع الناس.
