
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
كيف نعرف أنفسنا هل هي في زهد حقيقيّ أم كاذب؟ وماذا نصنع للتخلّص من الزهد الكاذب؟ كيف كانت نفوس المشاركين في قتل الإمام الحسين ولماذا وصلت إلى هذه الحال؟ وهل كانوا جميعًا من أهل الخمور وترك الصلاة أم أنّ بعضهم كان من أئمّة الجماعات وأهل الزهد الظاهريّ؟ ما هي العلاقة بين الزهد الحقيقيّ والعمل بالتكليف مهما كان ولو كان بصرف الكثير من الأموال وتناول الأطعمة اللذيذة؟ هل يدعو العرفان إلى ترك العمل وترك تحصيل المعاش؟! تجيب هذا المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة من بحث حقيقة التقوى ضمن شرح فقرة ذلك أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
كيف نصل إلى التقوى والزهد الحقيقيّين؟
14كانت كلّ الأنظار متوجّهةً إلى الحاج السيّد حسين القميّ، فقد كان مرجع تقليدٍ آنذاك فذهب السيد الميلاني في أحد أسفاره إلى كربلاء للقائه ـ يقول المرحوم العلامة إنّ السيد الميلاني نفسه هو الذي نقل هذه القصّة له ـ فقلت له: أنت الآن مرجع تقليد والآن حالك هكذا وقد بلغت هذه المكانة بحيث إنّ الجميع ينظرون إليك فما تأمر به يطيعونه، وبعبارةٍ أخرى لقد جعلوك في مقام إمام الزمان عليه السلام وينظرون إليك نظرتهم إلى الإمام عليه السلام، فما هي نظرتك وشعورك إلى اعتقاد الناس هذا؟ وماذا تحكم فيه؟ قال ما إن قلت للسيد القميّ هذا الكلام ـ وكان رجلاً صالحًا وتقيًّا جدًّا وهو الذي جاء إلى إيران وثار على رضا شاه وكان مطلبه التراجع عن هذه الأمور الثلاثة التي منها مسألة العمائم وأن يُجازَ من جديد لبسها والأمر الثاني مسألة الاختلاط في المدارس والثالث مسألة نزع الحجاب والتي كانت أكثر وقاحةً وقذارةً من الجميع. طبعًا كان يعمل بأمر الإنكليز، فقد كان عميلاً لهم، فلما رأى أنّ هذه الأمور لم تُقبل ذهب إلى الشاه عبد العظيم وجلس هناك معتصمًا حتّى تتحقّق هذه الأمور، فأرسل إليه السيّد البروجردي رحمه الله رسالةً أنّه إذا أردت أن نكون إلى جانبك فنحن مستعدّون وكان حينها في بروجرد وإيلات، وكان هناك الكثير من الناس والعشائر معه، فخاف رضا شاه وكان لهذه الرسالة أثرٌ كبير وأدّت إلى أن يأمر بالتراجع عن هذه الأمور الثلاثة ولم يعد هناك إجبار، فهذا الأمر كان يرتبط بالسيّد البروجردي وكان هو أيضًا رجلاً عظيم الشأن، وهو من الناس الذين ينبغي الحديث عنهم أكثر، ويجب أن تبيّن خصوصيّاته أكثر ويبدو أنّه لم يُكتب ولم يُتحدّث عنه وعن شخصيّته وكيفيّة إعراضه عن الأمور واهتمامه كما ينبغي، وتمّ التجاوز عن ذلك بسرعة. فأرسل رسالةً للسيد حسين القميّ الذي كان معتصمًا في حرم الشاه عبد العظيم، فلمّا حدث ذلك تراجع عن هذه الأمور فقد كانت شخصيّته هكذا.
كان السيد الميلاني يقول للوالد: عندما قلت للسيّد حسين القميّ ـ وكان ذلك بعد صلاة الظهر وبعد التعقيبات حيث ذهبت إليه وكلّمته ـ طأطأ رأسه مدّة خمس دقائق ولم يقل شيئًا فلما رفع رأسه رأيت لونه أسود؛ فقد أثّر فيه ذلك كثيرًا. فهل رأيتم كيف يمكن أن يكون الإنسان في موقعٍ ما وهو يظنّ أنّه على صواب؟! لم يكن السيد حسين القميّ ممن يرتكبون الأعمال المخالفة للشرع فقد كان مرجع تقليد وكان يختلف عن سائر الناس وكانت حالاته وخصوصيّاته تدلّ على أنّه من أهل الصلاح ولم يكن يميل إلى الدنيا ويبالي بهذه المراكز والمناصب ولكن أحيانًا تسبّب هذه الانشغالات وهذه المراكز والأوامر والنواهي وصرف الأوقات والدراسات والمحاضرات وجواب الاستفتاءات ورفع الحاجات أن لا يفكّر الإنسان بنفسه كما يجب، وأن لا يعرف واقع نفسه كما يجب، لذلك إذا سمع كلامًا من إنسان أنطقه الله فإنّه ينقلب فجأةً ويتغيّر وتتبدّل حالته ويلتفت إلى أنّه ماذا عليه أن يختار، وهذا الأمر يرتبط بنا جميعًا.
