انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

حكاية آدم وحوّاء عليهما السلام مع الشيطان

دروس وعبر

0
عنوان البصري
عنوان البصري
الجلسات

في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن معنى هوان كلّ من الخلق والدنيا على الإنسان، ثمّ انتقل إلى الحديث عن فتنة الشيطان للإنسان وقصّته مع آدم وحوّاء عليهما السلام، مستعرضًا في ضمن ذلك مجموعة من الأبحاث الشيّقة؛ نظير عصمة الملائكة وعدم تنافيها مع قدرتهم على المعصية، ومسألة جنّة الاستعداد وجنّة الفعليّة؛ وبعد ذلك، بيّن رضوان الله تعالى عليه الأسلوب الذي اتّبعه الشيطان من أجل تزيين المعصية لآدم عليه السلام، مشيرًا إلى نماذج واقعيّة لهذه التزيينات والتسويلات، ليختم بحثه في الأخير بمسألة خروج المتوكّلين عن دائرة السيطرة الشيطانيّة.

حكاية آدم وحوّاء عليهما السلام مع الشيطان

9
  • عصمة الملائكة لا تتنافى مع قدرتهم على العصيان

  • ولنضرب مثالاً بالملائكة، فهي تمتلك مقام الفعليّة؛ أي مقام الكمال والوصول إلى مرتبة معيّنة من العقل؛ فلنفرض الآن أنّه لديك عمل ضروريّ، وتريد السفر، ويتوجّب عليك الذهاب سريعًا لكي تلتحق بالوسيلة النقليّة؛ كما أنّ السفر طويل؛ كأن تريد التشرّف بزيارة مكّة، فيُحضر ابنكم مثلاً تلك السيّارة الميكانيكيّة الحمراء، ويقول لكم: «تعال يا أبي لكي تلعب معي؛ لأنّه لا يوجد لديّ رفيق في اللعب، وأنا وحيد»... أجل، لا يخفى أنّ التقصير في هذه الموارد يتحمّله الآباء؛ إذ ينبغي عليهم "صناعة" رفقاء في اللعب، لكيلا يلتجأ إليهم الأبناء؛ فهذا النقصان هو السبب في نظر هؤلاء إلى الآباء كرفقاء في اللعب؛ لكن، إذا انحلّت المشكلة، فلن يكون لهم أيّ شأن بهم، حيث سيذهب ذلك الابن إلى اللعب مع رفيقه في اللعب. حسنًا، فلنفرض أنّه قال: «لا، أريد أن ألعب بهذه السيّارة، وإلاّ، أقسم بالله تعالى أنّني سأبكي، فعليك أن تأتي للعب معي»؛ ثمّ ترى أنّ الوقت بدأ يتأخّر، فهل ستذهب للعب معه مع أنّ الطائرة ستُقلع وتتخلّف عن ذلك السفر؟ أم لا، لأنّ ذلك سيتسبّب في تخلّفك عن تلك المسألة وعدم عملك بها؟ ولهذا، فإنّك ستمنحه قطعة حلوى، أو سكاكر، وتضمّه إلى صدرك، وتحتضنه، وتُلهيه بنحو من الأنحاء، ثمّ تنسلّ بهدوء من الناحية الأخرى من دون أن يلتفت، وتذهب؛ فما هو السبب الذي أجبرك على القيام بكلّ هذا، ومنعك من اللعب معه؟ إنّها مرتبة الكمال؛ أي أنّنا وصلنا إلى مرتبة من الكمال العقلانيّ ـ ومرادي هذه المرتبة الخاصّة لا أكثر ـ، بحيث صرنا نعدّ عمل ذلك الطفل صحيحًا بالنسبة إليه، لكنّه بالنسبة إلينا لغوًا وعبثًا؛ ولهذا، لن يُقدم عليه أيّ عاقل؛ فلا نجد أيّ أحد من العقلاء يُلغي سفره لأجل اللعب مع طفله بسيّارة ميكانيكيّة لمدّة ساعة واحدة! فهو لا يأتي، ويقوم بهذا العمل؛ وهذه المرتبة هي التي يُقال لها مرتبة الكمال العقليّ المختصّة بهذا المقام.

  • ويجدر الذكر أنّ الملائكة وصلت إلى مرتبة الكمال العقلانيّ؛ أي إلى مرتبة، بحيث حقّقت الأوامر والنواهي الإلهيّة في وجودها؛ فلا تسعى أبدًا ...، لا أنّها لا تُدرك، أو لا تعلم بذلك، لا، فهي ليست كهذا الحائط وهذا الحجر وهذا الجصّ والتي لا تمتلك كلّها أيّ إحساس، بل إنّ لها إحساس، وتُدرك [الأمور] بنحو جيّد؛ وخلافًا لما قيل عن الملائكة وأنّ سنخيّتها مختلفة تمامًا، فإنّها وصلت من ناحية وجوديّة إلى مرتبة نورانيّة محضة؛ وهي مرتبة الكمال العقلانيّ ومرتبة الإحساس وإدراك الملاكات النفس أمريّة، بحيث إنّه وبسبب إدراكها لهذه الملاكات، وإحساسها بخصائص الأمور المشينة، لم تعُد لهذه الأمور أيّة جذّابية بالنسبة إليها؛ فهذا هو الإحساس الذي صار عند الملائكة.. {... لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ}۱؛ فهم لا يعصون؛ غاية الأمر أنّ التقابل بين العصيان والطاعة ليس تقابل السلب والإيجاب، بل تقابل العدم والملكة؛ أي أنّ شأن الملائكة هو العصيان، إلاّ أنّها لا تعصي؛ فهي مثل الإنسان يُمكنها أن تعصي، لا أنّها عاجزة عن ذلك كالخشب والحديد؛ فالخشب خشب، وإذا حملت هذه القطعة من الحديد، وصنعت منها عمودًا، أو حوّلتها إلى سكّين، فهل سيكون لها أيّ تقصير في ذلك؟ وإذا حملتها، وصنعت منها طاولة، أو بدّلتها إلى فأس، وضربت بها على رأس أحدهم، هل سيكون لها أيّ تقصير في ذلك؟ هل بوسعنا القول هنا إنّ الحديد مقصّر؟ فهل الملائكة مثل هذا الحديد؟ وكذلك بوسعك أن تصنع من قطعة خشب كرسيًّا، وبمقدورك أن تصنع من نفس القطعة سوطًا، وتقضي بواسطته على أحدهم؛ فهل يكون هذا الخشب حينئذاك مقصّرًا؟ لا، فصحيح أنّ الملائكة لا تعصي، لكن بوسعها فعل ذلك، غاية الأمر أنّها لا تفعله؛ فهي قادرة على ذلك؛ لماذا؟ لنفس السبب الذي ذكرته لكم في المثال السابق؛ فهل من الممكن أساسًا أن يُلغي أحدٌ سفره لأجل اللعب مع طفله بسيّارة ميكانيكيّة؟ فهل يُمكن ذلك أساسًا؟ سيُقال عنه مجنون! فلن يُقدم أيّ أحد على مثل هذا الفعل، بل سنجده يعمل على تهدئة طفله، لا أن يُطابق نفسه مع نفسه، ويُنزلها إلى مرتبته، لا، بل سيسعى لتهدئته، ويُلهيه، ويجد لنفسه طريقًا للانصراف عنه؛ فالملائكة بلغت هذه المرتبة.

    1. سورة التحريم، الآية ٦.