
حكاية آدم وحوّاء عليهما السلام مع الشيطان
دروس وعبر
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن معنى هوان كلّ من الخلق والدنيا على الإنسان، ثمّ انتقل إلى الحديث عن فتنة الشيطان للإنسان وقصّته مع آدم وحوّاء عليهما السلام، مستعرضًا في ضمن ذلك مجموعة من الأبحاث الشيّقة؛ نظير عصمة الملائكة وعدم تنافيها مع قدرتهم على المعصية، ومسألة جنّة الاستعداد وجنّة الفعليّة؛ وبعد ذلك، بيّن رضوان الله تعالى عليه الأسلوب الذي اتّبعه الشيطان من أجل تزيين المعصية لآدم عليه السلام، مشيرًا إلى نماذج واقعيّة لهذه التزيينات والتسويلات، ليختم بحثه في الأخير بمسألة خروج المتوكّلين عن دائرة السيطرة الشيطانيّة.
حكاية آدم وحوّاء عليهما السلام مع الشيطان
7من الآن فصاعدًا، على الرفقاء أن يُدقّقوا النظر أكثر؛ لأنّ صُلب الموضوع الذي نبحثه اليوم مرتبط بهذا المقطع من الآية: ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾، حيث سيكون حديثنا اليوم منصبًّا عليها؛ أي على مسألة: ليُريهما سوءاتهما وقيائحهما؛ فهما خرجا من الجنّة، وقد خرجا منها عريانين؛ فما معنى ذلك؟ يعني أنّهما لم يكونا يرتديان أيّ شيء بكلّ راحة وأريحيّة! فكانا موحّدين ومن أهل التوحيد تمامًا، ولم يكن عليهما أيّ لباس: «كُن مجرّدًا لترى المجرّد»!! فخرجا من الجنّة بهذه الحالة؛ وبتعبير القرآن الكريم: {لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما}؛ فظهرت قبائحهما، وبرز ما كان ينبغي عليهما سترُه؛ لكن، يبدو أنّه لا خبر اليوم عن هذه الأمور، فلم يعُد بوسع الشيطان أن يقوم بهكذا أفعال؛ لأنّ كلّ شيء صار عاديًّا، ولم يعُد هناك أيّ قُبح، ولا أيّ شيء، وأوضاع الجميع جيّدة ولله الحمد!! ومن الآن فصاعدًا، ينبغي على الشيطان التسلّل من طريق آخر.
{إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ}؛ فيا أيّها الناس، ويا بني آدم، اعلموا أنّ الشيطان يراكم هو وقبيله، وجنوده، وأتباعه {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ}؛ لكنّكم لا ترونهم؛ وهنا تكمن المشكلة؛ فهو يراكم، وأنتم لا ترونه؛ وهو يحسّ بكم، وعلى تواصل معكم، لكنّكم لا تحسّون به، ولا تتواصلون معه، فلا يُمكنكم التعرّف على هذا الموجود، ولا يتسنّى لإدراكاتكم الإحساس به إلى جانبكم؛ وإلاّ، لصار الأمر بنحوٍ آخر؛ لكنّكم عاجزون عن ذلك.
بعد ذلك، يقول الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}؛ ومن هنا، يتّضح أنّ الشيطان لا يكون وليًّا لكلّ واحد، ولا يكون مع كلّ واحد، بل يختصّ ببعض الأفراد الذين يفتقرون للإيمان، ولا يملكون اعتقادًا، ولا يرون أنّ تقديرات عالم الوجود ومشيئته تنتسب إلى مسبّب الأسباب، والمؤثّر في العالم؛ فهو يرجع إلى هؤلاء، ويرتبط بهم، ويصير قرينًا لهم.
إنّ هذه الآية الكريمة تتضمّن العديد من النقاط الدقيقة، حيث يقول الله تعالى: {يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ}؛ فلا ينبغي للشيطان أن يفتنكم {كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ}؛ مثلما أخرج حضرة آدم وحضرة حوّاء من الجنّة؛ وكيف خرجا عليهما السلام منها؟ وما الذي تمكّن الشيطان من القيام به؟ لقد جاء، ووسوس إليهما، وزيّن لهما، ووضع مسألة أخرى في مقابل الأوامر والنواهي الإلهيّة؛ إذ قال الباري عزّ وجلّ لحضرة آدم وحوّاء: {... وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ...}۱؛ أي: لا تأكلوا من هذه الشجرة، وكلوا من أيّة شجرة شئتم؛ وهذا عجيب جدًّا! فالإنسان بهذا النحو، حيث تجده يتعلّق بذلك الشيء الذي يُنهى عنه.
- سورة البقرة، الآية ٣٥.
