
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
من هو الذي تهون عليه الدنيا والشيطان والخلق؟ وكيف ترتبط عوالم الوجود ـ ومنها الدنيا ـ بالله تعالى؟ ما هو المراد الدقيق من الدنيا المذمومة؟ ما هو الأسلوب الذي يتّبعه الشيطان لإلهاء الإنسان وتفريغه من الحقائق؟ كيف يستفيد الشيطان من نفس الحقّ لأجل إسقاط الحقّ؟ كيف يُمكن للدنيا أن تصير هيّنة عند الإنسان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لإكمال حديثه عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ علاوةً على تطرّقه لأبحاث وتساؤلات أخرى
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
9نماذج من عمل الشيطان في إلهاء الإنسان وإبراز الحقائق بنحو مزيّف وظاهريّ
حكيت للرفقاء سابقًا أنّني كنت ذات يوم في موضع ما، فجاءني أحدهم من مكان معيّن، وقال: «يا سيّدي، لقد أحضرت معي كُتيّبًا بهذا الحجم جمعت فيه كلّ ما كُتب عنك في الموضع الكذائيّ»؛ فقلت له: «مزّقه في الحين، وألقه في سلّة المهملات»؛ قال: «يا سيّدي، لقد تحمّلت مشقّة كبيرة في جمع هذه المسائل»، فقلت: «لا أريد أن أسمع شيئًا»؛ ثمّ رأيت أنّه حزن كثيرًا، فقلت له: «هل أخبرك عن حقيقة الأمر؟ إنّ كلّ ما قلته موجود فيّ، فما رأيك الآن؟ وإنّني أُصدّق بكلّ تلك المسائل، وأُقرّ بها؛ فما الذي تريد أن تريني إيّاه»، ثمّ قلت: «اذهب، وألق بها في النهر، فلماذا تُريد أن تريني إيّاها من الأساس؟ ولأيّ شيء آتي و[أشغل] فكري بهذه الأمور؟!».
وحقيقة، فإنّ الأمر بهذا النحو، وبحقّ، إنّه لعجيب كيف يأتي الشيطان، ويُغيّر الحقائق، ويُبرزها للإنسان بنحو مزيّف، ويقول: «أيّها السيّد، إنّ الأمور تقع تحت سلطتك، وأنت المسؤول عن القضيّة الكذائيّة، ولديك التزام بها؛ ولهذا، عليك أن تطّلع على الأحداث التي تقع؛ وإلاّ، لن يُمكنك اتّخاذ أيّ قرار؛ وعليك أن تعلم بالمسائل التي تجري، لكي يتسنّى لك الحديث والكتابة، وتتمكّن من اتّخاذ القرارات اللازمة؛ فما دمتَ غير مطّلع على الأحداث، لا يُمكنك أن تتّخذ أيّ قرار صحيح ومناسب تجاه الأمور»؛ انظروا، فكلامه جميل جدًّا، وفي غاية الجاذبيّة؛ فهو كلام خلاّب، وفي الوقت ذاته يتواءم مع النفس. فتجد الإنسان ما إن يقول عنه أحد شيئًا حتّى يقول: «تعال إلى هنا، وأخبرني بما قال عنّي فلان، حتّى أذهب وأفعل له كذا؛ هل قالوا عنّي كذا؟ يا للعجب! سأكتب عنهم الآن شيئًا! بما أنّهم قالوا عنّي ذلك، فإنّني سأقف في وجوههم!»؛ فيقول ذاك، ويقول هذا؛ وتصير الأوضاع بهذا النحو: واحدة لي، وواحدة لك؛ لكن، أين هو الله تعالى؟ فهذه الأمور ليست بشيء لكي نعتني بها؛ ونحن لدينا الكثير من المسائل الأهمّ التي يتوجّب علينا الاهتمام بها؛ فلا ينبغي علينا تضييع أوقاتنا في تلك الأمور.
