انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

حقيقة الدنيا و هوانها على السالك

0
عنوان البصري
عنوان البصري
الجلسات

من هو الذي تهون عليه الدنيا والشيطان والخلق؟ وكيف ترتبط عوالم الوجود ـ ومنها الدنيا ـ بالله تعالى؟ ما هو المراد الدقيق من الدنيا المذمومة؟ ما هو الأسلوب الذي يتّبعه الشيطان لإلهاء الإنسان وتفريغه من الحقائق؟ كيف يستفيد الشيطان من نفس الحقّ لأجل إسقاط الحقّ؟ كيف يُمكن للدنيا أن تصير هيّنة عند الإنسان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لإكمال حديثه عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ علاوةً على تطرّقه لأبحاث وتساؤلات أخرى

حقيقة الدنيا و هوانها على السالك

6
  • المراد الدقيق من الدنيا المذمومة

  • ففي عالم الدنيا ـ والدنيا هنا بمعنى المادّة ـ، يُطلق على كيفيّة ارتباطنا اسم الدنيا؛ فالدنيا تعني الوضيعة والسفلى؛ لأنّها مأخوذة من الأدنى، والأدنى يعني الأسفل؛ وهي مؤنّثُه. فالمراد من الدنيا: العالم الذي يكون أوضع وأسفل من كافّة العوالم، وأقلّها قيمةً؛ فما حقيقتها إذن؟ إنّها تُعبّر عن كيفيّة [خاصّة] لتعلّق الإنسان بالأشياء التي تحيط به، وكيفيّة تعاملها معها، وطريقة تفكيرها بها، وكيفيّة نظرها إليها؛ فهذا الذي يُقال له الدنيا؛ وفي هذه الحالة، إذا كان هذا النحو من النظر والطريقة من التعامل يُقرّبان الإنسان من المبدأ والحقيقة والوحدة، فلن تكون لدينا هنا دنيا؛ وأمّا إذا كانا يُبعدانه عن المبدأ، فإنّ هذه هي الدنيا.

  • ولهذا، فإنّ الذمّ الموجّه إلى الدنيا في الآيات القرآنيّة، وكلمات العظماء، وكلام الأئمّة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ...؛ فكم ذُمّت الدنيا في نهج البلاغة! حيث نجد أمير المؤمنين عليه السلام يقول في عدّة مواضع من هذا الكتاب الشريف: «إليك عنّي يا دنيا، لقد طلّقتك ثلاثًا، فابتعدي عنّي؛ ولقد جاءتني الدنيا بصورة شيطان، وعلى شكل عجوز شمطاء ذات ملامح جميلة»؛ فالدنيا بهذا النحو؛ لكن، ما الذي يُريد الإمام أن يقوله هنا؟ هل مراده هو التملّك وأمثال ذلك؟ فالتملّك وغير ذلك ليست شؤون دنيويّة؛ وهل مراده التمتّع بالمواهب الإلهيّة؟ فالتمتّع بهذه المواهب ليس هو الدنيا.

  • لقد كان النبيّ الأكرم يُنفق ثلث الأموال التي يحصل عليها في شراء العطر والبخور؛ كما أنّ إحدى النفقات المهمّة التي كان يبذلها سيّد الشهداء في سفره إلى كربلاء تتعلّق بتعطير الخيم وتبخيرها، بحيث كانت رائحة عطر خيمه عليه السلام تصل إلى المشامّ من مسافات بعيدة؛ فهل هذه الأمور دنيا؟ أنّى أن تكون كذلك! فهل إنّ التعطّر وإنفاق الأموال في سبيل التطيّب بالعطر، والخروج من البيت بشكل نظيف، والظهور أمام الناس بمظهر جذّاب هو من الدنيا؟ لقد كان هذه الأمور بأجمعها تُمثّل منهجًا للأولياء والأئمّة.

  • فالذي يُحسب من الدنيا هو أن ينسى الإنسان ذلك المبدأ حين ارتباطه بالناس، ويتخلّى في هذا الارتباط عن تلك الأبعاد الإلهيّة، ويُرجّح في ارتباطه بالمسائل المصالحَ الظاهريّة على المصالح الواقعيّة؛ فهذا هو الذي يُعدّ دنيا، بحيث كلّما خطا الإنسان خطوة في هذا الاتّجاه يكون قد انغمس خطوة أكثر في الدنيا، وغاص خطوة أكثر في المستنقع؛ كما أنّه بمقدار ما يُصلح فكره هذا ويُصحّحه، فإنّه يكون قد اقترب بنفس ذلك المقدار من المبدأ والتوحيد وتلك العوالم؛ وهذا أمرٌ لا تختصّ به طائفة دون أخرى؛ أي أنّ الدنيا موجودة في كافّة الشؤون؛ فنراها حاضرةً في علاقتنا بالجار، وفي علاقتنا بالأهل والأقارب، وطبيعة الموقف وردّة الفعل التي نبديها تجاههم، حيث تجد الإنسان يُقرّهم على أفعالهم السيّئة بسبب كونهم أقارب؛ وأمّا إذا كان في موضع آخر، فإنّه يلجأ إلى الصراخ وإدانة هذه الأفعال التي تصدر من الآخرين؛ فهذه هي الدنيا. كما أنّك تجد الإنسان يتعامل مع رفيقه بالرفق والمداراة لمجرّد كونه رفيقه؛ لكن، إن حصلت تلك المسائل بعينها مع شخص آخر، فإنّه يلجأ للاستعانة بكلّ قوّته من كافّة الإمكانات والاستعدادات في سبيل القضاء على خصمه. وهكذا أيضًا بالنسبة لبقيّة الأحداث التي تقع له؛ فما دامت هذه الأحداث لها علاقة بمصالحه ومفاسده الشخصيّة، فإنّه يُبرز ردّة فعل؛ لكن، ما إن تخرج عن دائرة هذه المصالح والمفاسد، حتّى ينأى بنفسه عن تلك الأحداث، ويُطبق شفتيه، ويتنحّى عن الأمور؛ فهذه هي الدنيا. فطالما كان الإنسان يُظهر حساسيّة تجاه المسائل التي يراها ضروريّة لمستقبله ومصالحه المستقبليّة، لكن، ما إن يرى بأنّه لم تعُد توجد أيّة فائدة من ذلك، حتّى نجده يتخلّى عن تلك الحساسيّات، فإنّ ذلك سيكون دنيا! فالدنيا عبارة عن نحو ارتباط يكون متعارضًا مع التوحيد، وحقيقة عالم الوحدة، وتحصيل الرضا الحقيقي لله تعالى؛ فهذا الذي يُقال له دنيا.