
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
من هو الذي تهون عليه الدنيا والشيطان والخلق؟ وكيف ترتبط عوالم الوجود ـ ومنها الدنيا ـ بالله تعالى؟ ما هو المراد الدقيق من الدنيا المذمومة؟ ما هو الأسلوب الذي يتّبعه الشيطان لإلهاء الإنسان وتفريغه من الحقائق؟ كيف يستفيد الشيطان من نفس الحقّ لأجل إسقاط الحقّ؟ كيف يُمكن للدنيا أن تصير هيّنة عند الإنسان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لإكمال حديثه عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ علاوةً على تطرّقه لأبحاث وتساؤلات أخرى
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
5افرضوا أنّ لكم ولدين؛ أحدهما مطيع جدًّا، ومهذّب، ومؤدّب، وملتزم بالأخلاق، وله علاقات وأعمال مدروسة، وتصرّفات لائقة، ومحبّ لوالديه، ومتعلّق بهما، ويبرز العطف والحنان تجاهما، ويرعى حقّهما، ويعتني بشؤونهما في الحياة، ويسعى لتحقيق كلّ ما يرضيهما؛ لكن، شاءت الأقدار أن يعيش في تلك الناحية من العالم؛ وأمّا الابن الثاني، فهو على العكس منه تمامًا؛ وأنا هنا أضرب مثالاً فقط، ولا أقصد أنّ ذلك موجود بين هذا الحضور؛ وحتّى لو كان أحدهم له مثل هذا الابن، فكلامي غير موجّه إليه؛ فلنفرض أنّ لكم ابنٌ لا يُراعي تلك الأمور بتاتًا، بل يمشي في طريقه الخاصّ، ويفعل كلّ ما يحلو له، ويقف في وجه والديه، ويستهزأ بتصرّفاتهما، ولا يعمل بنصائحها، ويسعى للاستفادة من مكانتها وشؤونها الخاصّة بنحو سيّء، بحيث يسود إحساس بكونه عبارة عن رقعة لم توضع في مكانها الصحيح؛ ويكون هذا الابن مقيمًا في بيتكم؛ ففي هذه الحالة، هل سيكون ارتباطكم وتعلّقكم بذلك الابن الذي يعيش في تلك المنطقة النائية أكبر، أم تعلّقكم بهذا الابن الذي يعيش في منزلكم بتلك الطريقة؟ بالتأكيد أنّ ذاك الذي يُقيم في بيتكم، ويعيش في غرفة مجاورة لغرفتكم، وتلتقون به وترونه وترتبطون به كلّ يوم، ستشعرون بوجود فاصلة كبيرة بينكم وبينه؛ وذلك بسبب الموقف الذي اتّخذه تجاهكم؛ وأمّا ذاك الذي يعيش في تلك المنطقة النائية من العالم، ولعلّكم لا ترونه إلاّ في السنة بعد السنة، فإنّكم ستشعرون بوجود وحدة باطنيّة وتعلّق قلبيّ بينكم وبينه، ولو من دون أن تلتقون به؛ ولهذا، فإنّ مسألة التعلّق مسألة قلبيّة، وليست مسألة ظاهريّة ومادّية؛ فالمسائل الظاهريّة والمادّية لا علاقة لها بالتعلّق، وما يوجب القرب والبعد يرجع إلى القلب والنفس والروح، ولا يختصّ بالبدن والمادّة.
إنّ الأمور المادّية عبارة عن حيثيّات منفصلة عن بعضها تمامًا. يوجد الآن بجانبي كأس؛ فهل إذا كان هذا الكأس بجانبي، فإنّه سيكون متّحدًا معي؟ لا، فأنا موجود أتميّز بخصائص معيّنة، وهذا موجود آخر يتألّف من حجر وزجاح وغير ذلك من المكوّنات التي قد تختلف باختلاف طبيعته، وهو موجود له خصائصه المحدّدة؛ فتارةً يكون هنا، وتارة يكون هناك، وتارةً يكون في المطبخ، وتارةً يكون في دكّان البائع، وتارةً يكون في المصنع، ولا وجود لأيّ ارتباط بيني وبينه؛ والأمر بهذا النحو أيضًا بين أفراد الإنسان؛ فمع أنّه قد يشعر أحد هؤلاء الأفراد بالقرب من فرد آخر، إلاّ أنّنا نجدهما عبارة عن فردين اثنين من حيث البدن؛ فهذا يسلك طريقه الخاصّ، وذاك أيضًا يسلك طريقه الخاصّ؛ وهذا يأكل طعامه الخاصّ، وذاك يأكل طعامه الخاصّ؛ وهذا يُنجزه أعماله الخاصّة، [وذاك يُنجز أعماله الخاصّة]؛ ومع أنّهما قد يعيشان في منزل واحد وغرفة واحدة، لكنّهما يظلّان فردين اثنين؛ ومن هنا، فإنّ مسألة القرب والبعد ـ بشكل عامّ ـ لا ترجع إلى الجهة المادّية، بل إلى روح الإنسان ونفسه؛ وهذا يعتمد على أسلوب التفاعل والعلاقة القائمة بين كلّ فردين؛ فإذا كانت هذه العلاقة بينهما علاقة جذب، فإنّها ستُقرّبهما من بعضهما؛ وإذا كانت علاقة دفع، فإنّها ستُبعدهما عن بعضهما.
