
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
من هو الذي تهون عليه الدنيا والشيطان والخلق؟ وكيف ترتبط عوالم الوجود ـ ومنها الدنيا ـ بالله تعالى؟ ما هو المراد الدقيق من الدنيا المذمومة؟ ما هو الأسلوب الذي يتّبعه الشيطان لإلهاء الإنسان وتفريغه من الحقائق؟ كيف يستفيد الشيطان من نفس الحقّ لأجل إسقاط الحقّ؟ كيف يُمكن للدنيا أن تصير هيّنة عند الإنسان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لإكمال حديثه عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ علاوةً على تطرّقه لأبحاث وتساؤلات أخرى
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
2أعوذُ بالله مِنَ الشَّيطان الرَّجيم
بسم الله الرّحمن الرحيم
وصلّى الله عَلى سيِّدنا و نبيّنا و حَبيب قُلوبنا و طَبيب نُفوسنا
أبي القاسم مُحمّد وَ عَلى آله الطَّيّبين الطّاهرين المَعصومينَ المُكرَّمين
واللَعنة الأبديّة عَلى أعدائهم أجمَعين الى يوم الدّين
من هو الذي تهون عليه الدنيا والشيطان والخلق؟
يقول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان: إذا أنعم الله تعالى على عبدٍ وأكرمه بالأمور الثلاثة الآتية: أوّلاً، «أَن لَا يرَى العَبدُ لِنَفسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللَهُ مِلكًا»؛ أي ألاّ يشعر بأيّ استقلال في المالكيّة وفي ملكيّة الشيء الذي منحه الله تعالى إيّاه؛ وثانيًا، «وَلَا يدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تَدبِيرًا»؛ ولا يخفى أنّه مرّ معنا سابقًا بيان هذه الفقرات، وفسّرنا المراد من التدبير والاستقلال في الملكيّة والمالكيّة؛ وثالثًا، «وَجُملَةُ اشتِغَالِهِ فِيمَا أَمَرَهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَاهُ عَنهُ»؛ أي أنّه يصبّ كلّ همّه واهتمامه في طاعة أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه؛ فإذا وهب الله تعالى العبد هذه الأمور الثلاث: الأوّل عدم شعوره بالملكيّة الاستقلاليّة لأمواله، والثاني ألاّ يُدبّر لنفسه أيّ تدبير مخالف لمشيئة الله تعالى وإرادته، والثالث أن يجعل اهتمامه منصبًّا على العمل بالتكاليف التي قدّرها الله تعالى له، سواءً كانت هذه التكاليف أمريّة أم زجريّة؛ فإذا حصلت هذه الأمور الثلاث، ووفّق الله تعالى العبد لها؛ «فَإذَا أَكرَمَ اللَهُ العَبدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ»، وشرّفه بها، ووفّقه إليها، وعظّمه بها: «هَانَ عَلَيهِ الدُّنيَا وَإبلِيسُ وَالخَلقُ»؛ أي ستصير الدنيا، ويصير إبليس والناس هيّنين عنده، أو أنّهم سيضحون أذلاّء وأدنياء عنده، حيث يصحّ كلا المعنيين؛ أي أنّ الدنيا والشيطان والناس سيُصبحون بلا قيمة أو اعتبار عنده.
تتوفّر هذه الفقرة على مجموعة من النقاط الدقيقة؛ ولا يخفى أنّنا تحدّثنا في الجلسات السابقة عن هذه المسائل مع توضيح أكبر؛ وفي الحقيقة، فإنّ الإمام الصادق يسعى في هذه الفقرة إلى استخلاص النتائج من المسائل السابقة؛ لأنّه عليه السلام عمد بنفسه إلى توضيح هذه المسائل، وإماطة اللثام عنها، وبيان المراد من كلّ تلك العبارات الثلاث؛ كما عملنا بدورنا وبمقدار سعتنا الوجوديّة وإدراكنا القاصر وعقلنا الناقص وبضاعتنا المزجاة على تقديم بعض التوضيحات لكلام الإمام الصادق عليه السلام، ويبقى علينا البحث عن نقطتين أو ثلاث نقاط في هذه العبارة.
