
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
من هو الذي تهون عليه الدنيا والشيطان والخلق؟ وكيف ترتبط عوالم الوجود ـ ومنها الدنيا ـ بالله تعالى؟ ما هو المراد الدقيق من الدنيا المذمومة؟ ما هو الأسلوب الذي يتّبعه الشيطان لإلهاء الإنسان وتفريغه من الحقائق؟ كيف يستفيد الشيطان من نفس الحقّ لأجل إسقاط الحقّ؟ كيف يُمكن للدنيا أن تصير هيّنة عند الإنسان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لإكمال حديثه عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ علاوةً على تطرّقه لأبحاث وتساؤلات أخرى
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
17حسنًا، لاحظوا، فهذه المسألة ترجع إليها تلك الأمور حتّى في الزمن السابق؛ لكن، حينما ننظر، فإنّنا نرى أنّ طريق الحقّ لا يحتاج إلى هكذا مسائل وأفعال، ولا يفتقر إلى الحشد والتجييش؛ لأنّ الذي يمتلك الحقّ يكون هذا الحقّ بالنسبة إليه كعرضه، فيحتفظ به لنفسه، لا أنّه يقوم، ويُثير الضجيج هنا وهناك؛ اللهمّ إلاّ أن يقتضي التكليف ذلك؛ لأنّ الحساب سيكون حينئذ مختلفًا.
من اهتمّ بتكاليفه الحقيقيّة هانت عليه الدنيا ولم يعتن بالآخرين
ولهذا، فإنّ موقف الإنسان من هذه المسألة سيكون هو: «هَانَ عَلَيهِ الدُّنيَا»؛ أي أنّه إذا استوعب هذه الحقيقة، فإنّ الأمور ستصير هيّنة بالنسبة إليه؛ فإن قيل له: «سيّدي، لقد قيل في حقّكم كذا»، فإنّه سيضحك، وإن قيل له: «سيّدي، لقد قيل عنكم في المجلس الفلانيّ كذا»، فإنّ الابتسامة ستعلو محيّاه، ويقول [في نفسه]: تفضّلوا، فذلك ممّا يوجب الترويح عن النفس، وهو جيّد لهضم الطعام إن كان الوقت يسمح بذلك! سيّدي، لقد قيل عنك كذا هناك، وقيل عنك كذا هنا.. «هَانَ»... فما هذا الذي تقوله يا عزيزي؟! إنّ هذه الكلمات ترتدّ في أسماعنا من دون تنفذ إلى باطنها؛ شأنها في ذلك شأن الصورة على الجدار؛ فهي لا تتجاوز حتّى طبلة الأذن، لكي تتسلّل إلى الجهاز العصبيّ للدماغ، فتذهب إلى هذه الناحية منه، وتلك الناحية منه، وتذهب يمينًا ويسارًا؛ فهي لا تخترق طبلة الأذن بتاتًا. لكن، إن قام الإنسان بالغوص في هذه المسائل؛ فيلتقي اليوم بفلان وغدًا بعلاّن، ويتّصل بذلك المكان وبهذا المكان، ويستدعي الناس خفيةً إلى هنا، ويستدعيهم إلى هناك، ويقول لذاك هذا الكلام، ولا يقول له ذلك الكلام، فإنّه سيصنع خليطًا غير متجانس، فيضيع عمره في هذه المسائل والأفكار والنزاعات؛ إلى درجة أنّ المنام الذي يراه تسوده المواجهات والنزاعات، فيعيش النزاع في اليقظة والنوم، بل حتّى حينما ينظر إلى صلاته، فإنّه يراها مفتقرة لتلك الحقيقة، وأضحت شيئًا مغايرًا تمامًا.
ففي جلسة أخرى حضرت فيها، نحت الأمور منحى الضدّ؛ إذ حينما كنت متواجدًا هناك، رأيت ـ ويا للعجب ـ أنّ هذا المجلس هو مجلس السيّد الشهداء ومجلس أربعين الإمام الحسين، لكن، لماذا يفتقر إلى النور؟! ولماذا هو ظلمانيّ؟! فهو مجلس كان يحضره المرحوم العلاّمة، ويتحدّث فيه إلى الناس طيلة سنين متمادية، وكانت تُعقد فيه العديد من الجلسات، فما الذي حصل؟ إنّها النية التي تُفسد الأمر يا عزيزي! فحينما لا يكون النية إلهيّة، فإنّها تعمل على تغيير الأجواء، وتسحب النور من هذه الغرفة وهذه الأجواء؛ ومتى ما ذهب النور، فإنّ الظلام سيحلّ مكانه، فتصير جميع الحركات كالحركات التي يُؤدّيها الفنّانون في مسرح العرائس، حيث يصنعون بعض الأشياء كالتماثيل، ويرفعون أيديها إلى الأعلى، ويُحرّكون رؤوسها، ويتكلّمون من خلالها، فيظنّ الأطفال بأنّ هذه العرائس والدمى [هي التي تتحرّك وتتحدّث]؛ فكافّة الحركات والسكنات التي تجري في ذلك المجلس تكون مجرّد مسرحيّة؛ شأنها في ذلك شأن الحركات التي تتمّ في مسرح العرائس؛ لماذا؟ لأنّ روح سيّد الشهداء لا تسري فيه؛ فإمّا أن يوجد الإمام الحسين في المجلس، وإمّا أن يوجد فيه الشيطان، من دون وجود أيّ خيار ثالث؛ فإن غادره الإمام الحسين، أتى الشيطان، وإن غادره الشيطان، جاء الإمام الحسين؛ فهذه هي الدنيا، ونحن مبتلون بها جميعًا، فلا تظنّوا أنّها مقتصرة فقط على...
