
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
من هو الذي تهون عليه الدنيا والشيطان والخلق؟ وكيف ترتبط عوالم الوجود ـ ومنها الدنيا ـ بالله تعالى؟ ما هو المراد الدقيق من الدنيا المذمومة؟ ما هو الأسلوب الذي يتّبعه الشيطان لإلهاء الإنسان وتفريغه من الحقائق؟ كيف يستفيد الشيطان من نفس الحقّ لأجل إسقاط الحقّ؟ كيف يُمكن للدنيا أن تصير هيّنة عند الإنسان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لإكمال حديثه عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ علاوةً على تطرّقه لأبحاث وتساؤلات أخرى
حقيقة الدنيا و هوانها على السالك
15وفي تلك الأيّام، رأيت ذات ليلة المرحوم العلاّمة في المنام، حيث كانت قد حصلت مسألة أظنّ أنّني ذكرتها للرفقاء بنحو مقتضب، فقال لي: «أيّها السيّد، ليس كلّ واحد يُطيق سماع الحقّ، فأطبق شفتيك منذ هذه اللحظة»؛ فمن الآن فصاعدًا، صارت المسألة دنيويّة، حيث كنت أعتقد إلى ذلك الحين أنّ هناك أمرًا ما، وأنّ ذلك كان لأجل الله تعالى؛ لكنّني رأيت أنّ المسألة ستُصبح من الآن فصاعدًا دنيويّة، وعبارة عن تصفية حسابات، ومحاولة للقضاء على الخصم، ومشاحنات نفسانيّة؛ فهنا، ينبغي التوقّف؛ لأنّ الحقّ يظلّ حقًّا ما دام يتوفّر على صبغة إلهيّة؛ لكن، إن بدأ هذا الحقّ ينفصل عن حقيقته المتمثّلة في الانتساب إلى الله تعالى، فإنّه لن يكون حقًّا، بل مجرّد كلمات حقّة؛ وعلى حدّ قول أمير المؤمنين لذلك الذي قال: لا حُكم إلاّ لله: «كلِمةُ حَقٍّ يُرادُ بِها باطل»؛ فعبارة «لا حُكم إلاّ لله» كلام حقّ؛ لأنّ الحكم بختصّ بالله تعالى، وهو الذي من شأنه أن يُعيّن للإنسان تكليفه، ويُحدّد له آمرًا وناهيًا، ويضع الحقائق بين يديه، ويكون الإنسان ملزمًا بطاعته. قال الإمام عليه السلام: «كلِمةُ حَقٍّ يُرادُ بِها باطل»؛ أي أنّ هذا المسكين لا يعلم أنّني ـ أنا عليّ ـ أقضي أيّامي ولياليّ بعيدًا عن أهلي في سبيل إحقاق هذا الحقّ، وأنّني أصبر على قطع الصحاري والقفار، وتحمّل المشاقّ وضرب السيوف وتعرّض بدني للجراح، ووقوع السيف في نهاية المطاف على أمّ رأسي لأجل ترسيخ تلك المسألة بعينها؛ فهو لا يعلم بذلك، ويظنّني مثل معاوية وعمرو بن العاص. إنّني أفدي نفسي وحياتي لإحقاق هذه المسألة، ولكي يتقدّم الحقّ دائمًا من خلال الانتساب إلى المبدأ؛ وإلاّ، من دون هذا الانتساب، فإنّه سيكون عبارة عن معاوية.. هذه هي حقيقة الأمر!
لا يوجد أيّ أحد في مأمن من حبائل الشيطان وتسويلاته!
ولا تعتقدوا أنّنا بمنأى عن هذه المسألة؛ وها أنا ذا أعترف هنا، وأقول بكلّ صراحة: بعد رحيل المرحوم العلاّمة، كان هناك البعض ممّن يُنسب إلينا يسعى للاستعانة بالحقّ من أجل إحياء النفس لا الحقّ، حيث عمدوا إلى تطبيق الحقّ من أجل تصفية الحسابات وتحقيق المصالح والمطامع الدنيويّة؛ هذا مع أنّهم كانوا من رفقائنا وممّن يُنسبون إلينا؛ فكانوا يعملون من خلال الكلمات الرنّانة والجذّابة على سحب الناس إلى هنا وهناك اتّباعًا لأهوائهم؛ لكن، ماذا كانت حقيقة المسألة؟ كانت نفسانيّة وتتمحور حول النفس؛ فكانت جميع تلك الأفعال تدور حول النفس!
