
الصوم وأثره في حصول ملكة التقوى
في بحثه الموسوم بنور ملكوت الصيام أكّد العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الطهراني (قدّس سّره) على دور الصوم في تحصيل التقوى, كما تعّرض لآثار ظهور ملكة التقوى على العبد السالك إلى الله تعالى من قبيل: التمييز بين الحقّ والباطل وزوال الوسواس والخواطر الشيطانيّة وتكفير السيئات ونزول بركات السماء والأرض وكشف الكربات وفتح المغاليق ووراثة الدار وجنابها في مقعد صدق ٍعند مليكٍ مقتدر. وذكر (قدّس سرّه) أيضاً معنين للحديث الوارد عن الله تعالى« الصوم لي, وأنا أجزي أو اُجزى به» وأهميّةكلّ ٍمن الصوم والصلاة في قضاء الحوائج, حاكياً عن مولانا الصادق (عليه الصلاة و السلام ) صلاة خاصّةً لقضاء الحوائج العظام, فراجع واغتنم.
الصوم وأثره في حصول ملكة التقوى
2بِسْمِ اللـهِ الرَّحْمَنِ الرَحِيْمِ
وَالصَّلَاةُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَاهِرِيْنَ
ولَعْنَةُ اللـهِ عَلى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِيْنَ
مِنَ الآنَ إِلى قِيَامِ يَوْمِ الدِّيْنِ
قال الله تعالى:
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ}۱.
إنّ المنزلة الحقيقيّة للإنسان هي منزلة التقوى،وهي الحالة التي يتصرّف فيها الإنسان من خلال مقام إنسانيّته، وعندما تحصل لديه هذه الملكة فلن يصدر عنه إلاّ الخير والبرّ والعدالة والرحمة. وأمّا إذا لم تحصل لدى الإنسان هذه الملكة فلن يكون قد وصل إلى مكانته الحقيقيّة ومنزله الواقعي، وستكون الأفعال الصادرة عنه إمّا شرّاً وظلماً، أو متوائمة مع الشرّ والظلم؛ وذلك لأنّ الأفعال الصادرة عن البهائم بما هي بهائم ـ من الشهوة والغضب ـ ليست من آثار الإنسان من حيث هو إنسان. وعليه فكلّ من كان أسير آماله واُمنياته عمى بصيرة عن رؤية الحقّ، أهبطه هواه من منزله الحقيقي إلى مصافّ البهائم.
والآية الشريفة :{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ}٢ تبيّن المنزل الواقعي للإنسان، وتقول: أيّها المؤمنون! قبل أن يدرككم الموت عليكم أن تسعوا إلى الوصول إلى منزلكم الحقيقي الذي هو التقوى، وأن تبلغوا أفضل مقاماته، وعند ذلك سوف تحظون بحظٍّ وافرٍ من الحياة، وإلاّ سيأتيكم الموت في وقت لم تصلوا فيه بعد إلى المنزل المقصود، وسترون أنّكم لن تبلغوا هدفكم، وأنّكم انتقلتم عن هذه الدنيا وأنتم في رتبة الحيوانات والبهائم.
آثار ظهور ملكة التقوى على العبد
يعدّ الصوم من الأركان المهمّة التي يعتمد عليها صرح التقوى، والوجه في وجوبه هو الوصول إلى تلك المنزلة بناء السقف لهذا الصرح العظيم. إذ كانت ملكة التقوى عبارة عن الحصانة الإلهية، يتبين لنا غير واحد من آثار التقوى ونتائجها:
أولاً: أنّ الله تعالى هو المعلّم للإنسان المتّقي، وأنّ المجهولات التي لديه تظهر وتنحلّ له شيئاً فشيئاً: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ}٣.
ثانياً: أنّ الله تعالى يمنحه الفرقان الذي هو عبارة عن القوة المفرّقة والمميّزة بين الحقّ والباطل: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ}٤، والفرقان هو النور الإلهي الذي ينير قلب المؤمن ويبعده عن غياهب الظلمات، وعند ذلك يمكنه أن يشخّص وظيفته في كلّ مورد من الموارد،فيمكنه تشخيص الصديق من العدو، السمّ من الدواء، الدواء من الداء، الخواطر الشيطانيّة من الإلهامات الربّانيّة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}٥. ويمكنه بهذا النور الإلهي الذي ظهر نتيجة التقوى أن يمشي فيه ويسلك من خلاله الطرق النافعة للوصول إلى الهدف المقصود. والفرقان هو قوّة أنزلها الله تعالى إلى موسى مع التوراة لهداية قومه: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}٦، وحينما يصل الإنسان إلى حصن التقوى يمنحه الله تعالى هذا الفرقان.
- سورة البقرة (٢)، الآية ۱۸٣.
- سورة آل عمران (٣)، الآية ۱۰٢.
- سورة البقرة (٢)، من الآية ٢۸٢.
- سورة الأنفال (۸)، الآية ٢٩.
- سورة الحديد (٥۷)، الآية ٢۸.
- سورة البقرة (٢)، الآية ٥٣.
