
أهمية الصوم وفضيلة شهر رمضان
قام العلامة الطهراني قدس سرّه في هذا المجلس بتفسير آية: { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} ، مشيرا إلى الحكمة من وجوب الصوم، فأفاد بأن الوجه فيه هو الارتقاء إلى مقام التقوى والورود إلى منزل الحصانة الإلهية بكف النفس عن الهوى وفطامها عن الشهوة، ثم تعرض لخطبة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في فضل شهر رمضان وآثاره وخصائصه.
أهمية الصوم وفضيلة شهر رمضان
3فالشخص الذي يُلحِم ويوصِل المعادن بواسطة غاز الأوكسجين أو الكهرباء يضع كمّامةً وقناعًا على وجهه، كما أنّ الغوّاص يتجهّز بلباسٍ خاصٍّ لكي يكون مصونًا من خطر الحيوانات البحريّة المفترسة، ويصطحب معه أنبوبة الأوكسجين، ويلزم على من يريد السفر إلى القمر أن يُحصّن نفسه من خطر الضغط والحرارة والبرودة والغازات القاتلة المختلفة وذلك بالاستعانة بلباس وجهاز تنفسّ خاصّين. وكما أنّ المناعة من الأمراض ونفوذ الجراثيم تحصل للإنسان من خلال حقن الأمصال واللقاحات المرتبطة بـ «الجدري» و «الكوليرا» و «الطاعون»، فإنّ شكلاً من أشكال الحصانة الروحيّة تحصل لديه بواسطة ملكة التقوى، فلا يتدنّس ـ من خلال هذه الرعاية والمناعة ـ بجراثيم المعاصي المـُطبِقة على الأنفاس، ولا يصير صريعًا للشهوات، فتتجلّى الأماني الخسيسة وزخارف عالم الغرور الخدّاعة في روحه الرفيعة حقيرةً ووضيعةً، ويسير في جميع أموره البشريّة على الصراط المستقيم ووفقًا للعدل والاعتدال. فكأنّ نفسه قد استقرّت على إثر مَلكَة التقوى هاته في أنبوبة مضادّةٍ للشهوات، فاعتلى مقامًا شامخًا من خلال حقن نفسه وتلقيحها بلقاح الصبر والصلاة والمجاهدة والإنفاق والإيثار والعدالة، فاكتسب المناعة.
ما هو الصوم المفيد في اكتساب ملكة التقوى؟
فالصوم بما يمتلكه من حظٍّ وافرٍ من كلّ هذه الأمور، يُعدّ من الموادّ الأوّليّة التي تصاغ بها هذه التقوى؛ إذ إنّ الصائم وعبر كفّ النفس عن الشهوات واجتناب الإفراط في اللذائذ ومنع النفس عن تعاطي اللذات البصريّة والسمعيّة واللسانيّة الخارجة عن حدّ الاعتدال يقترب شيئًا فشيئًا مِن هذه الحصانة ومِن ملَكة التقوى هاته، فيصل بذلك إلى مقام الإنسانيّة اللائق به، تلك الإنسانية التي لا ترى أنّه من شأنها الاقتيات على اللذات الحيوانيّة، بل تحصل على رزقها من المقام الشامخ المتمثّل بـ «أبيتُ عِندَ رَبِّي يُطعِمُني ويَسقِينِي»۱؛ ولهذا ينبغي علينا الالتفات إلى أنّ حقيقة الصوم لا تنحصر في الإمساك عن الطعام والشـراب وأمثال ذلك، بل تشمل أيضًا على إمساك الجوارح والأعضاء عن سائر القبائح والمخالفات، وعلى إمساك القلب عن التوجّه إلى غير الله.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«كَم مِن صائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن صيامِهِ إلّا الجُوعُ والظَّمَأ، وكَم مِن قائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن قيامِهِ إلّا السَّهَرُ والعَناءُ، حَبَّذا نَومُ الأكياسِ وإفطارُهُم!»٢.
- [بحار الأنوار، ج ٦، ص ٢۰۸، أبواب البرزخ والقبر وعذابه؛ ج ۱٦، ص ٣٩۰، باب ۱۱؛ عوالي اللآلي، ج٢، ص ٢٣٣، باب الصوم] (م).
- نهج البلاغة، الكلمات القصار، [الكلمة: ۱٤٥].
