
النساء ومقام الخلافة الإلهيّة
تشتمل المحاضرة على ثلاث نقاط رئيسيّة؛ - الأولى في قاعدة تساوي الرجل والمرأة واختلافهما؛ فهما متساويان في مقام النشأة والإيجاد والنفخ وتجلي الأسماء والصفات الإلهيّة وبلوغ مراتب الكمال، ومختلفان في الظهور والسعة الوجوديّة والوظائف. - والثانية أن القانون الإسلاميّ هو قانون عامّ وشامل ينطبق على جميع البشر حتّى المعصومين. - الثالثة في كيفيّة انطباق القاعدة على السيّدة الزهراء عليها السلام مع ما هي عليه من حجيّة. وفي أنّ الإنس والمَلَك والجنّ والشيطان مختارون لا مجبورون.
النساء ومقام الخلافة الإلهيّة
3التفاوت بين الجنسين يكون في الآثار والسعة الوجوديّة
في هذه الآيات بيان لتفاوت مراتب الخلق من ناحية الآثار الوجوديّة لعالم الوجود، والّتي حصلت نتيجة اتصاف المخلوقات بصفات الحضرة الأحديّة؛ فكان الإنسان مِنْ بين جميع الموجودات هو المخلوق الوحيد الّذي يمتلك قابليّة الاتصاف بجميع صفات الحضرة الأحديّة. إنَّ مثل هذه القابليّة على الاتصاف بتلك الصفات توجب – في واقع الأمر – أن يكون وجود الإنسان هو الوجود المتنزّل في رتبة أدنى من وجود الحضرة الأحديّة، غير أنَّه يختلف عنه من ناحية السعة الوجوديّة الذاتيّة للحضرة الأحديّة في مرتبة الذات، كما ويختلف عنه في السعة الوجوديّة الأسمائيّة والصفاتيّة غير المتناهية.
إنَّ كلّ فرد من أفراد النوع الإنسانيّ محدود بسعة وجوديّة خاصّة به؛ فإن نظرنا إلى الذوات المتواجدة في هذا المجلس، لن نعثر على اثنتين تمتلكان نفس الصفات الوجوديّة أو الاستعداد أو المَلَكات الشخصيّة، هذا من ناحية [تطابق الصفات]. أمّا من ناحية امتلاكهنّ للصفات اللازمة لذات الله، فجميع المتواجدات في هذا المكان تمتلكْنَ هذه الصفات، ولا تستطيع إحداهُنَّ أن تقول: أنا لا أمتلكها.
وهذا هو الّذي أوجب على الملائكة أن تسجد لآدم، على أنَّ سجود الملائكة هو سجود لله في واقع الأمر، إذ لا يجوز السجود لغير الله.
الفرق بين السجود والتواضع في تفسير بعض الآيات
إنَّ سجود الملائكة لآدم لم يكن بمعنى التواضع له كما قال بعض المفسّرين. أفلم يكن الله قادرًا على أن يقول للملائكة: تواضعوا لآدم، بدل أن يقول لهم: اسجدوا لآدم؟! فالله يقول في الآية الكريمة {وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}۱، فهذا أمر بالسجود بمعنى نفس السجود لا بمعنى آخر. وجاء في آية أخرى {وللهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ}٢، فقال البعض أنَّ المقصود من السجدة هو التواضع أيضًا، معلّلًا ذلك بأنّه: كيف يمكن لهذا القَدَح أو لهذه الورقة أن تسجد، وبما أنّه لا معنى لسجود هذه الأمور، فالمقصود حينئذ من السجود في الآية هو التواضع. [أقول إنّ ما دعاهم لهذا القول هو] أنّهم لم يعرفوا معنى للسجود غير وضع الجبهة على الأرض أو التربة، والحال أنّه يوجد معنى [آخر] للسجود وهو مقام تفويض الاختيار والإرادة لله الّذي هو المبدأ الأوّل، وبمعنى إظهار العبوديّة في مقابل إرادة ومشيئة الله؛ فمَنْ يسجد لله كأنّما يقول: ليس لي إرادة أو طلب أو استقلال في ذاتي وأسمائي وصفاتي، بل إنَّ ذاتَكَ وأسماءكَ وصفاتكَ يا ربِّ هي المسيطرة على جميع العالم، ولا وجود لأيّة قدرة سوى قدرتكَ، ولا إرادة سوى إرادتكَ، ولا قوّة سوى قوّتك. فهذا هو معنى السجود، وهو ما يظهر مِنْ الإنسان على تلك الهيئة [البدنيّة المعروفة].
- سورة الإسراء (۱۷)، جزء من الآية ٦۱.
- سورة النحل (۱٦)، جزء من الآية ٤٩.
