
النساء ومقام الخلافة الإلهيّة
تشتمل المحاضرة على ثلاث نقاط رئيسيّة؛ - الأولى في قاعدة تساوي الرجل والمرأة واختلافهما؛ فهما متساويان في مقام النشأة والإيجاد والنفخ وتجلي الأسماء والصفات الإلهيّة وبلوغ مراتب الكمال، ومختلفان في الظهور والسعة الوجوديّة والوظائف. - والثانية أن القانون الإسلاميّ هو قانون عامّ وشامل ينطبق على جميع البشر حتّى المعصومين. - الثالثة في كيفيّة انطباق القاعدة على السيّدة الزهراء عليها السلام مع ما هي عليه من حجيّة. وفي أنّ الإنس والمَلَك والجنّ والشيطان مختارون لا مجبورون.
النساء ومقام الخلافة الإلهيّة
25وكذلك كانت المسألة بين أمير المؤمنين والسيِّدة فاطمة الزهراء؛ ففي الوقت الّذي وصل فيه أمير المؤمنين إلى مقام الإمامة، لم تكن الزهراء قد وصلتْ من حيث الكمال إلى مرتبة الفعليّة التّامة الّتي حازها أمير المؤمنين. وهنا يكمن السّر، السرّ الّذي لم يَقلْهُ المرحوم العلّامة، أو أنَّه لم يُرِدْ أن يطرح هذا الموضوع، وهذا السرّ هو الّذي قمتُ بإفشائه الآن وهو أنّ؛ الزهراء لم تكن قد وصلتْ إلى تلك الرتبة [من الكمال والفعليّة التامّة]، وإنّما وصلتها بفضل ذلك الإجراء [الآتي ذكره] الّذي قام به أمير المؤمنين. ولهذا السبب نراها قد تراجعتْ عن موقفها وقالتْ: فليحصل ما يحصل، وذلك عندما قال لها أمير المؤمنين: إن كنتِ تريدين أن يبقى ذكر اسم أبيك على المآذن فلا تتكلّمي۱. فيكون أمير المؤمنين قد تصرّف وبدّل رأي السيِّدة الزهراء. [حينها] تعجّبت الزهراء ورأتْ بأنَّها لم تكن قد أحرزتْ الفعليّة في هذا المجال، ولم تكن قد وصلتْ إلى الكمال.
وهذا ممّا لا ضَيْر فيه، لأنّه لا يفترض أن يكون الإنسان كاملًا منذ بداية الأمر، إذ حتّى النبيّ لم يكن كاملًا منذ البداية، بل تبدّلت عنده حالة الاستعداد إلى الفعليّة بشكل تدريجيّ. ففي هذه القضية يكون أمير المؤمنين قد تصرّف وأوصل السيِّدة الزهراء إلى مرحلة الفعليّة، أي إنَّها قد وصلتْ إلى تلك الدرجة من المعرفة الّتي لو جاء حينها ألف أبي بكرٍ – لا أبي بكرٍ واحدٍ – ليجلس مكان النبيّ لَمَا تفاوت الأمر بالنسبة إليها، فتكون قد وصلتْ إلى تلك الدرجة من التحمّل والصبر بحيث لو استمر ذلك الوضع لمدة مائة ألف سنة لَمَا تفاوت الأمر بالنسبة إليها.
الإنس والمَلَك والجنّ والشيطان مختارون ولا تنافي بين الاختيار والاستعداد للفناء
[سؤال]: ما دام الشيطان والجنّ مختارين في أفعالهما، فلماذا لم يُمنحا الاستعداد للفناء في الله؟
[جواب سماحته]: إنَّ مسالة كون المخلوق مختارًا أمرٌ، ومسألة امتلاكه الاستعداد اللازم للفناء أمر آخر؛ فمعنى كون الإنسان مختارًا في أفعاله، هو عدم كونه مجبورًا للقيام بذلك الفعل. فعلى سبيل المثال إنّ القدح الّذي في يدي لا يملك الاختيار، بل هو مجبور على إنجاز العمل المطلوب منه، فأنا الّذي أرفعه من مكانه وأضعه في مكان آخر، ولا دخل له فيما جرى، نعم فهو مجبور – والحال هذه – على إطاعة أمرِ وفعلِ المريد، إذ أنا صاحب الإرادة هنا في تبديل مكانه. أمّا فيما يتعلّق بي، فهل أنا مجبور على رفع القدح من مكانه؟ كلّا، لا يعتبر هذا جبرًا بالنسبة لي. وعليه فنفس هذا العمل؛ يعتبر جبرًا بالنسبة إلى القدح، ويعتبر اختيارًا بالنسبة لي.
- جاء في شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ٢۰، ص ٣٢٦، رقم ۷٣٥، ما يلي: لامَتْهُ فاطمة على قعوده وأطالت تعنيفه، وهو ساكت حتّى أذّن المؤذّن، فلمّا بلغ إلى قوله: أشهد أن محمّدًا رسول الله. قال لها: أتحبين أن تزول هذه الدعوة من الدنيا؟ قالت: لا. قال: فهو ما أقول لك. [المترجم]
