
الصدق أساس التكامل
أضاء قدّس الله سرّه على موضوع الصدق هذه المرّة كما يلي: بما أنّ الله تعالى هو الصدق، فالطريق إليه منحصر بذلك. وبما أنّ الصدق على طرف نقيض مِنَ الكذب والنفاق وما يعادلهما، فليس هو الطريق الّذي يُؤتى الله منه. أمّا تحقيق ذلك والسير فيه والثبات عليه يكون؛ بمحاكمة النفس للنفس، ومراقبتها، والتراجع عن الأخطاء، ورعاية الحقوق، والتعامل الصحيح مع الأفكار والأحكام، وعدم اتّباع المشاعر وترك الدليل، والتنبّه للوصفات العلاجيّة الكامنة وراء أوامر العظماء، وأن نطابق الحقّ لا أن نجعل الحق هو ما يتطابق مع ميولنا. وتقييم ذلك يكون بملاحظة نسبة قربنا وبعدنا عن الحق والباطل، ومناطه هو صِدق الخُطى، وملاكه هو الاستماع للنداء الباطنيّ وعدم تضييع الفرَص.
الصدق أساس التكامل
4إنَّ طريق الله هو طريق الحقّ، فلا يمكن لأحد أن يطوي هذا الطريق بالكذب. هل يصحّ أن يراجع المريضُ طبيبًا، فيصف له دواءً مناسبًا، ثمّ يذهب إلى الصيدليّة فيشتري دواءً آخر ويشربه بدل الدواء الموصوف؟! فإن فعل هذا ماذا سيحصل حينئذٍ؟ إنَّه سيهلك لأنَّه تناول دواءً غير مناسب. فإن كان هذا النوع مِنَ الدواء هو المناسب لهذا المرض، فلا يمكن أن يُستبدل بدواء آخر.
كيف ينبغي أن تحاكم النفس نفسها
مِنْ أجل هذا كان العظماء يؤكّدون دائمًا على ضرورة أن يراعي السالك الصدق في علاقته بربه، وعليه أن يحدّث نفسه بهذا كلّ يوم. وما الّذي يعنيه حديث النفس هذا؟ إنَّه يعني أن يجلس الإنسان ويفكّر في أمر نفسه. إنَّ الإنسان يقوم بألف عمل مِنَ الصباح إلى المساء، وكثير منها أعمال غير مفيدة، فلنخصّص نصف ساعة أو حتّى ربع ساعة مِنَ هذا الوقت لنختلي فيه مع الله ونفكّر في ما نقوم به مِنْ عمل الآن أهو صحيح أم غير صحيح. وليضع الإنسان نفسه مكان الآخر ثمّ يقضي في الأمر. ويمكننا القول أنَّ مِنْ شأن هذا البرنامج أن يقرّبنا مِنْ عالم الواقع والحقيقة بشكل تدريجيّ. فعلى الإنسان أن يراجع نفسه وينظر إلى صفاته، ويراجع كيفيّة تعامله مع الآخرين وتعامل الآخرين معه، ويورد على نفسه ما يُشكله على الآخرين فيقول: لعلّ الآخرين يستشكلون علَيّ بمثل ما أستشكل عليهم. فعليه أن لا يكون وحده القاضي وصاحب الدعوى ومُصدر الحكم.
قلتُ لأحد الأصدقاء يومًا: هل ترى مِنْ عيبٍ في تصرفاتي؟ فقال لي: ما هذا الكلام يا سيّدي، فإنَّك تعمل على كسر نفسك. قلتُ له: إن كان لديك جواب صالح فأجبني يا عزيزي، وإلّا طلبتُ ذلك مِنْ غيرك، وها أنا أسألك بكلّ جدّية، إن كنتَ ترى مِنْ عيبٍ في تصرّفاتي فأخبرني به لكي أعالجه، فأنا لا أكسر نفسي ولا أتواضع أمامك بل أريد أن أرفع العيوب عن نفسي.
أتلاحظون! فإنَّ مَنْ يسعى للقضاء على نقائص نفسه هو الرجل الموفّق، لا ذاك الّذي يحمرّ وجهه وينفعل عندما يُنتقد، فإن كنّا كذلك فمتى تُرفع نقائصنا، إذ مِنَ الممكن أن تخفى علينا بعض النقائص والحال أنّ الآخرين مطّلعون عليها أكثر منَّا لكونهم ينظرون إليها مِنَ الخارج بنظرة أخرى.. فما المانع مِنْ ذلك؟ فقال لي ذلك الرجل: إن كان الأمر بهذا الشكل، فلديّ ملاحظات على بعض الموارد، ولكن اسمح لي أن أكتبها لأنَّني أستحي أن أواجهك بها. قلتُ له: لا بأس بذلك، اكتبها إذن. فكتب لي رسالة مِنْ ثلاث صفحات مِنَ القطْع الكبير، قال فيها: لقد قمتَ في المناسبة الفلانيّة بهذا العمل الّذي لا أراه صحيحًا، ولقد غضبتَ في المورد كذا وأنا وجدتُ ذلك غير مناسب، ولقد طرحتَ موضوع كذا في المكان الفلانيّ وأنا أرى فيه إشكال، ولو كنتَ قد تعاملت في الموقف الكذائيّ بشكل آخر لكان أفضل.. على أيّة حال، فقد كتب وجهات نظره والّتي لم أقبل أيّا منها، لماذا؟ لأنَّني في عالمي الخاصّ بي كنت أرى أنّني أتيت بعمل صحيح، وليس مِنَ الضروريّ أن نتقبّل جميع مؤاخذات الآخرين كما هي، نعم إن كنّا نرى أنَّ تلك المؤاخذات صحيحة فعلينا أن نتقبّلها. أمّا بالنسبة لما ذكره فقد كان لي دليلي الخاصّ عن كلّ عمل مِنْ تلك الأعمال. ثمّ التقيتُ بذلك الشخص مرّة أخرى، فقلتُ له: لقد قرأتُ رسالتك، ألا يخطر على بالك موارد أخرى غير ما ذكرتَ؟ قال: لا. قلتُ له: لكي يتّضح لك الأمر فأنا قمت بالعمل الفلاني بهذا الدليل، وبالعمل الآخر بدليل كذا وكذا.. فاقتنع حينئذٍ. على الإنسان أن يقيّم نظرة الناس إليه، أي أن يرى كيف هي نظرتهم له.
