
الصدق أساس التكامل
أضاء قدّس الله سرّه على موضوع الصدق هذه المرّة كما يلي: بما أنّ الله تعالى هو الصدق، فالطريق إليه منحصر بذلك. وبما أنّ الصدق على طرف نقيض مِنَ الكذب والنفاق وما يعادلهما، فليس هو الطريق الّذي يُؤتى الله منه. أمّا تحقيق ذلك والسير فيه والثبات عليه يكون؛ بمحاكمة النفس للنفس، ومراقبتها، والتراجع عن الأخطاء، ورعاية الحقوق، والتعامل الصحيح مع الأفكار والأحكام، وعدم اتّباع المشاعر وترك الدليل، والتنبّه للوصفات العلاجيّة الكامنة وراء أوامر العظماء، وأن نطابق الحقّ لا أن نجعل الحق هو ما يتطابق مع ميولنا. وتقييم ذلك يكون بملاحظة نسبة قربنا وبعدنا عن الحق والباطل، ومناطه هو صِدق الخُطى، وملاكه هو الاستماع للنداء الباطنيّ وعدم تضييع الفرَص.
الصدق أساس التكامل
3فما أريد قوله هو: ضرورة أن يراعي الإنسان الصدق في جميع الأحوال، يعني أنَّ الطريق إلى الله لا يقبل الكذب أساسًا، فالله ليس كذبًا بل هو الحقيقة المحضة والواقع المحض، فهل يمكن لنا – والحال هذه – أن نصل إلى هذا الواقع بالخداع؟! وعلى مَنْ سيرتدّ هذا الخداع؟ إنَّه سيرتدّ علينا نحن.
رأى أحد الأشخاص يومًا منامًا وهو أنَّ أحدهم كان يصعد الدرج الموجود في بيت المرحوم العلّامة رضوان الله عليه ليصل إليه، حيث كان المرحوم العلّامة يجلس خلف المنضدة في غرفته مشغولًا بالكتابة، وكان أحد أبناء المرحوم العلّامة يصعد مع هذا الشخص على الدرج، فحاول هذا الشخص إزاحة ابن العلّامة ومنعه مِنَ الصعود حتّى يصل إليه وحده، فالتفت ابن العلّامة إليه وقال: أتريد أن تصل إلى العلّامة بإزاحة ابنه عن طريقك، فإنَّك لن تصل إلى مرادك أبدًا!
هل التفتم إلى حجم المسألة.. كان على هذا الّذي أراد الوصول إلى المرحوم العلّامة أن يعرف؛ أنَّ هذه ليست الطريقة الّتي يمكن أن يصل بها إليه، وهي طريقة على خلاف نهج وممشى المرحوم العلّامة، وأنَّ المباني والبرامج المُعطاة للأفراد لم تكن بهذا الشكل. فهذا الشخص كان قد أشغل خياله ببعض الأعمال، وابتهج بسيره الآن في الطريق الموصل إلى المرحوم العلّامة، غير عالم أنَّه في كلّ خطوة يخطوها في هذا الطريق فهو يبتعد عنه، لماذا؟ لأنَّ المرحوم العلّامة حقّ، ولا يستطيع أحد أن يخدعه ويغشّه. نعم، لا يوجد مَنْ يستطيع ذلك.
كنَّا يومًا نحضر مجلس عصر يوم الجمعة، وعند انتهاء المجلس قام صاحب المنزل بتقديم الفاكهة، وعلى ما يبدو أنّها كانت مِنْ نوع البرتقال، فوضع برتقالة أمام كلّ واحد مِنَ الحاضرين. وكان أحد الحاضرين يجلس على مقربة مِنَ المرحوم العلّامة، حيث كانت بينهما فاصلة، فأكل هذا الرجل برتقالته، وكنت أرى ذلك، وعلى ما يبدو كان الشخص الّذي يجلس إلى جانبه صائمًا، فلم يأكل برتقالته حتّى يحلّ الأذان، فما إن قام هذا الثاني ليؤذّن، ألقى الأوّل نظرة على المرحوم العلّامة فرأى أنَّه لا ينظر إليه، فأخذ برتقالة [الصائم] وقشّرها وأكلها، ورأيتُ المرحوم العلّامة ينظر إليه خفية. فكان عبد الله هذا يعتقد أن العلّامة رجل عاديّ لا يعرف شيئًا. أتلاحظون! وها نحن نفعل الشيء نفسه، فنظنَّ أنّه باستطاعتنا أن نخدع العظماء، فنكون بذلك كالنعامة الّتي تدّس رأسها في الرمال ظنّا أنّ أحدًا لن يراها. ولكن ما هي نتيجة سلوك هذا الطريق؟ نعم لقد حصلت النتيجة ونال الشخص عاقبة أمره.. نسأل الله أن يهدينا جميعًا.
