
بشارة الأنبياء السابقين بالنبي الأكرم
وبعض صفاته الظاهرية والباطنية
ما هو السبب الذي يجعل دراسة سيرة النبيّ وتفاصيل خصوصياته النفسيّة وتصرّفاته الجزئيّة مهمّةً بالنسبة للمسلمين والمؤمنين بشكلٍ خاص، وللبشريّة عمومًا؟ تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره للجواب عن ذلك في هذه المحاضرة القيّمة مبيناً أنّ السر في ذلك هو كون النبي الأكرم أسوةً حسنةً لجميع الأمم في كافة الأزمنة. ثمّ تعرّض سماحته لبيان فلسفة وفاة والد النبيّ الأكرم ووالدته، وصفات النبيّ الظاهريّة وبعض الصفات الباطنيّة، وبشارة الأنبياء السابقين بظهور النبيّ الأكرم.
بشارة الأنبياء السابقين بالنبي الأكرم
8الخصائص الظاهريّة والجسمانيّة للنبيّ الأكرم
وبناءً لما ورد في الروايات بما يشمل روايات أهل السنّة والشيعة ـ فتقريبًا ما تمّ بيانه عن النبيّ متفقٌ عليه۱ ـ فقد كانت خصائص النبيّ الأكرم وفقًا للظاهر كالتالي:
كان النبيّ من الناحية الجسمانيّة معتدل القامَة.
وكان وجهه أبيضًا مائلًا للأحمر (أزهر اللون)، يعني: لم يكن أسمرًا كما هو المعتاد بالنسبة لمن يسكن في بلاد العرب وتلك الأماكن.
وكان عندما يتحدّث إلى شخص ما يتوجّه بكافّة وجوده إلى ذلك الشخص، وكان يُعطي كلامه الاهتمام بكافة حركاته وسكناته، وبعبارةٍ أخرى: لم يكن ليستمع لكلام شخصٍ بدون مبالاةٍ.
كان عندما يتحدّث إلى شخصٍ كان يوجّه جميع وجهه وظاهره ناحية ذلك الشخص، لا أنه يشيح بوجهه ويتحدّث؛ بل يقف في مقابل الشخص بكافة قامته ويتحدّث إليه.
كان النبيّ إذا غالبًا ينظر إلى الأسفل، وقليلًا ما كان يلتفت ناحية السماء.
كان عريض المنكبين.
كانت عظام النبيّ قويّةً.
ومن حيث البنيّة كان معتدلًا ومستوي القامة؛ يعني: كان صفات بنيته معتدلة، فأكتافه ويديه وأقدامه ذات تناسق واتساق مع بعضها البعض.
كانت أسنانه بيضاء، وكان مُفَلَّجُ الأسنان؛ يعني: لم تكن أسنانه الأماميّة متلاصقة؛٢ وكانت أسنانه تلمع من شدة البياض، وكانت شديدة البياض بحيث ورد في الروايات: «كانت أسنانه بيضاء كبياض البَرَد»٣.
كان النّاس يعلمون أنَّ النبيّ الأكرم قد عبر من المكان بواسطة رائحة بدنه. فقد ورد لدينا في الرواية: «عَرَقُهُ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْك»٤ وهذا من الخصائص التي يختصّ بها النبيّ الأكرم!
وأمر آخر من خصائص النبيّ الأكرم هو أنَّه لم يكن له ظلٌّ.
كان النبيّ ينام ولكنّه كان يستطيع أن يسمع الأصوات. يقول النبيّ الأكرم: إنّنا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا.٥
ولدينا في الرواية أنّ النبيّ: «يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر» بحيث يجذب جميع الناس إليه.٦
كانت عينا النبيّ واسعتان.
حاجباه قويّان متّصلان.
وقد ورد لدينا في الرواية: إنّ شعر النبيّ كان طويلًا وكان يصل إلى أذنه، بل إلى شحمة أذنه.۷
۱۷. يتحرّك ببطءٍ حين المشي، ولم يكن يخطو خطواتٍ طويلةٍ.
وخلاصة القول: كان وجود النبيّ أسوةً حسنةً لجميع الأفراد سواء من ناحية الظاهر أو من ناحية الباطن.۸
- . مطلع أنوار (النسخة الفارسيّة)، ج ٦، ص ٥۱٦:
«لقد جاء في إحياء العلوم، الجزء ٢، من الصفحة ٣۱٢ إلى ٣٤٥ (وهو كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوّة) مسائل نفيسة حول محاسن أخلاق رسول الله، وكلامه وضحكه، وأخلاقه في المطعم والمشرب، ولباسه، وعفوه وکظمه للغيظ وإغضائه عمّا يكرَهُه، وسخاؤه وشجاعته وتواضعه، و شمائل صورته، ومعجزاته؛ وقد خرّج العراقي في التعليقة مصادرها من أحاديث العامّة». - . تفسير العيّاشي، ج ۱، ص ٢۰٣؛ عيون أخبار الرّضا عليه السّلام، ج ۱، ص ٣۱٦.
- . عيون أخبار الرّضا عليه السّلام، ج ۱، ص ٣۱۷.
- . الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٣٤۱.
- . بصائر الدرجات، ج ۱، ص ٤٢۰:
«عَن زُرارةَ عَن أبي جَعفَرٍ عليه السّلام قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ صلّی الله عليه و آله وسلّم: ”إنّا مَعاشِرَ الأنبیاءِ تَنامُ عُيونُنا ولا تَنامُ قُلوبُنا، ونَرى مِن خَلفِنا كَما نَرى مِن بَينِ أيدينا“» - . عيون أخبار الرّضا عليه السّلام، ج ۱، ص ٣۱٦.
- . المصدر نفسه.
- . لمزيدٍ من الإطلاع على الخصائص الظاهريّة ومكارم أخلاق النبيّ الأكرم، يرجى الرجوع إلى: معاني الأخبار، ص ۷٩ ـ ۸٤؛ مكارم الأخلاق، ص ۱۱ ـ ۱٥؛ بحار الأنوار، ج ۱٦، ص ۱٤۸. عيون أخبار الرّضا عليه السّلام، ج ۱، ص ٣۱٦ ـ ٣۱٩:
«علیُّ بنُ موسَى بنِ جَعفَرِ بنِ مُحَمّدٍ عَن موسَى بنِ جَعفَرِ بنِ مُحَمّدٍ [عَن جَعفَرِ بنِ مُحَمّدٍ] عَن أبيهِ [عَن] عَلیّ بنِ الحُسَينِ عَليهِم السّلامُ قالَ: قالَ الحَسَنُ بنُ عَلی بنِ أبي طالِبٍ عليه السّلامُ: سألتُ خالي هِندَ بنَ أبي هالةَ عَن حِليةِ رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله و سلّم ـ وكانَ وَصّافًا لِلنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فَقالَ:
كانَ رَسولُ اللهِ فَخمًا مُفَخَّمًا يَتَلألأُ وَجهُهُ تَلألُؤَ القَمَرِ لَيلةَ البَدرِ، أطوَلَ مِنَ المَربوعِ وأقصَرَ مِنَ المُشَذَّبِ، عَظيمَ الهامةِ، رَجِلَ الشّعرِ، إذا انفَرَقَت عَقيقَتُهُ فَرَقَ وإلّا فَلا يُجاوِزُ شَعرُهُ شَحمةَ أُذُنَيهِ إذا هوَ وَفَّرَهُ؛ أزهَرَ اللّونِ، واسِعَ الجَبینِ، أزَجَّ الحاجِبَینِ سَوابِغَ في غَیرِ قَرَنٍ، بَينَهُما عِرقٌ یُدِرُّهُ الغَضَبُ، أقنَی العِرنینِ، لَهُ نورٌ یَعلوهُ یَحسَبُهُ مَن لَم یَتأمّلهُ أشَمَّ؛ کَثَّ اللِّحیةِ، سَهلَ الخَدّینِ، ضَلیعَ الفَمِ، أشنَبَ مُفَلَّجَ الأسنانِ، دَقیقَ المَسرُبةِ، کأنّ عُنُقَهُ جیدُ دُمیةٍ فی صَفاءِ الفِضّةِ؛ مُعتَدِلَ الخَلقِ، بادِنًا مُتَماسِكًا، سَواءَ البَطنِ و الصّدرِ، بَعيدَ ما بَينَ المَنكبَينِ، ضَخمَ الكَراديسِ، أنوَرَ المُتَجَرِّدِ، مَوصولَ ما بَينَ اللَّبَّةِ والسُّرّةِ بِشَعرٍ يَجري كالخَطِّ، عاريَ الثّديَينِ والبَطنِ وما سِوى ذَلِكَ، أشعَرَ الذِّراعَينِ والمَنكِبَينِ وأعالي الصّدرِ؛ طَويلَ الزّندَينِ، رَحبَ الرّاحةِ، شَثِنَ الكفّينِ والقَدَمَينِ، سائِلَ الأطرافِ، سَبِطَ القَصَبِ، خُمصانَ الأخمَصَينِ، مَسيحَ القَدَمَينِ يَنبو عَنهُما الماءُ؛ إذا زالَ زالَ تَقَلُّعًا، يَخطو تَكَفّيًا ويَمشي هَونًا، ذَريعَ المِشيةِ، إذا مَشى كأنّما يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ، و إذا التَفَتَ التَفَتَ جَمیعًا؛ خافِضَ الطّرفِ، نَظَرُهُ إلى الأرضِ أطوَلُ مِن نَظَرِهِ إلى السّماءِ، جُلُّ نَظَرِهِ المُلاحَظةُ، يَبدُرُ مَن لَقيَهُ بِالسّلامِ.
قالَ: قُلتُ: صِف لي مَنطِقَهُ! فَقالَ: كانَ صلّى الله عليه وآله وسلّم مُتَواصِلَ الأحزانِ، دائِمَ الفِكرةِ، لَيسَت لَهُ راحةٌ، ولا يَتَكَلّمُ في غَيرِ حاجةٍ، يَفتَتِحُ الكَلامَ ويَختِمُهُ بِأشداقِهِ، يَتَكَلّمُ بِجَوامِعِ الكَلِمِ فَصلًا لا فُضولَ فيهِ ولا تَقصيرَ، دَمِثًا لَيسَ بِالجافي ولا بِالمَهينِ؛ تَعظُمُ عِندَهُ النِّعمةُ وإن دَقَّت، لا يَذُمُّ مِنها شَيئًا غَيرَ أنّهُ كانَ لا يَذُمُّ ذَوّاقًا ولا يَمدَحُهُ، ولا تُغضِبُهُ الدّنيا وما كانَ لَها، فإذا تُعوطِيَ الحَقُّ لَم يَعرِفهُ أحَدٌ، و لَم يَقُم لِغَضَبِهِ شَيءٌ حَتّى يُنتَصَرَ لَهُ؛ وإذا أشارَ أشارَ بِكَفِّهِ كُلِّها، وإذا تَعَجّبَ قَلَبَها، وإذا تَحَدّثَ قارَبَ يَدَهُ اليُمنى مِنَ اليُسرى فَضَرَبَ بِإبهامِهِ اليُمنى راحةَ اليُسرى، وإذا غَضِبَ أعرَضَ بِوَجهِهِ وأشاحَ، وإذا فَرِحَ غَضَّ طَرفَهُ، جُلُّ ضِحكِهِ التّبَسُّمُ يَفتَرُّ عَن مِثلِ حَبِّ الغَمامِ.
قالَ الحَسَنُ عليه السّلام: فَكَتَمتُ هَذا الخَبَرَ عَنِ الحُسَينِ عليه السّلام زَمانًا ثُمّ حَدّثتُهُ، فَوَجَدتُهُ قَد سَبَقَني إلَيهِ وسألَهُ عَمّا سألتُهُ عَنهُ، فَوَجَدتُهُ قَد سألَ أباهُ عَن مَدخَلِ النّبيّ صلّى الله عليه وآله ومَخرَجِهِ ومَجلِسِهِ وشَكلِهِ، فَلَم يَدَع مِنهُ شَيئًا.
قالَ الحُسَينُ عليه السّلام: سألتُ أبي عليه السّلام عَن مَدخَلِ رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله، فَقالَ: كانَ دُخولُهُ لِنَفسِهِ مأذونًا لَهُ في ذَلِكَ (ولم يكن بحاجة لإذنٍ من زوجاته)، فإذا أوى إلى مَنزِلِهِ جَزّأ دُخولَهُ ثَلاثةَ أجزاءٍ: جُزءًا لِلّهِ تَعالى و جُزءًا لِأهلِهِ وجُزءً لِنَفسِهِ؛ ثُمّ جَزّءَ جُزأهُ بَينَهُ وبَينَ النّاسِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالخاصّةِ عَلَى العامّةِ، ولا يَدّخِرُ عَنهُم مِنهُ شَيئًا؛ وكانَ مِن سيرَتِهِ في جُزءِ الأُمّةِ إيثارُ أهلِ الفَضلِ بِإذنِهِ، وقَسّمَهُ عَلى قَدرِ فَضلِهِم في الدّينِ، فَمِنهُم ذو الحاجةِ ومِنهُم ذو الحاجَتَينِ ومِنهُم ذو الحَوائِجِ فَيَتَشاغَلُ ويَشغَلُهُم فيما أصلَحَهُم وأصلَحَ الأُمّةَ مِن مَسألَتِهِ عَنهُم وإخبارِهِم بِالّذي يَنبَغي؛ويَقولُ: ليبَلِّغِ الشّاهِدُ مِنكُمُ الغائِبَ، وأبلِغوني حاجةَ مَن لا يَقدِرُ عَلى إبلاغِ حاجَتِهِ؛ فإنّهُ مَن أبلَغَ سُلطانًا حاجةَ مَن لا يَقدِرُ عَلى إبلاغِها، ثَبّتَ اللهُ قَدَمَيهِ يومَ القيامةِ!
لا يُذكَرُ عِندَهُ إلّا ذَلِكَ ولا يَقبَلُ مِن أحَدٍ غَيرَهِ، يَدخُلونَ رُوّادًا ولا يَفتَرِقونَ إلّا عَن ذَواقٍ، ويَخرُجونَ أدِلّةً فُقَهاءَ.
فَسألتُهُ عَن مَخرَجِ رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله كيفَ كانَ يَصنَعُ فيهِ، فَقالَ: كانَ رَسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله يَخزُنُ لِسانَهُ إلّا عَمّا يَعنيِه، ويُؤلِفُهُم [أي: يؤلّف بين الناس] ولا يُنَفِّرُهُم؛ ويُكرِمُ كَريم كُلِّ قَومٍ ويُوَلّيهِ عَلَيهِم، ويَحذَرُ النّاسَ ويَحتَرِسُ مِنهُم مِن غَيرِ أن يَطوِيَ عَن أحَدٍ بِشرَهُ ولا خُلُقَهُ، ويَتَفَقّدُ أصحابَهُ، ويَسألُ النّاسَ عَمّا في النّاسِ، و يُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُقَوّيهِ، ويُقَبِّحُ القَبيحَ ويوهِنُهُ [بلا إفراطٍ أو تفريط]؛ مُعتَدِلَ الأمرِ غَيرَ مُختَلِفٍ، لا يَغفُلُ مَخافةَ أن يَغفُلوا أو يَميلوا [أي: ينحرفوا]، ولا يَقصُرُ عَنِ الحَقِّ ولا يَجوزُهُ، الّذينَ يَلونَهُ مِنَ النّاسِ خيارُهُم، أفضَلُهُم عِندَهُ أعَمُّهُم نَصيحةً [أي: أكثرهم إخلاصًا ورغبة بالخير] لِلمُسلِمينَ، وأعظَمُهُم عِندَهُ مَنزِلةً أحسَنُهُم مواساةً وموازَرةً.
قالَ: فَسألتُهُ عَن مَجلِسِهِ، فَقالَ: كانَ صلّى الله عليه وآله لا يَجلِسُ ولا يَقومُ إلّا عَلى ذِكرٍ، ولا يِوطِنُ الأماكِنَ ويَنهى عَن إيطانِها، وإذا انتَهى إلى قَومٍ جَلَسَ حَيثُ يَنتَهي بِهِ المَجلِسُ ويأمُرُ بِذَلِكَ، ويُعطي كُلّ جُلَسائِهِ نَصيبَهُ حَتّى لا يَحسَبُ أحَدٌ مِن جُلَسائِهِ أنّ أحَدًا أكرَمُ عليه مِنهُ؛ مَن جالَسَهُ صابَرَهُ حَتّى يَكونَ هوَ المُنصَرِفَ عَنهُ، مَن سألَهُ حاجةً لَم يَرجِع إلّا بِها أو بِمَيسورٍ مِنَ القَولِ، قَد وَسِعَ النّاسَ مِنهُ خُلُقُهُ و صارَ لَهُم أبًا رَحيمًا وصاروا عِندَهُ في الحَقِّ سَواءً؛ مَجلِسُهُ مَجلِسُ حِلمٍ وحَياءٍ وصِدقٍ وأمانةٍ، لا تُرفَعُ فيهِ الأصواتُ، ولا تُؤبَنُ فيهِ الحُرَمُ [أي: لا تهتك]، ولا تُثنى فَلَتاتُهُ [أي: لا يُجاب على من أخطأ وفلتت منه فلتة، بل يتجاوز عنه]، مُتَعادِلينَ مُتَواصِلينَ فيهِ بِالتّقوى مُتَواضِعينَ، يوَقِّرونَ الكبيرَ ويَرحَمونَ الصّغيرَ، ويُؤثِرونَ ذا الحاجةِ ويَحفَظونَ الغَريبَ.
فَقُلتُ: كيفَ كانَ سيرَتُهُ في جُلَسائِهِ؟ فَقالَ: كانَ دائِمَ البِشرِ، سَهلَ الخُلُقِ، لَيّنَ الجانِبِ، لَيسَ بِفَظٍّ ولا غَليظٍ، ولا صَخّابٍ ولا فَحّاشٍ، ولا عَيَابٍ ولا مَزّاحٍ ولا مَدّاحٍ، يَتَغافَلُ عَمّا لا يَشتَهي، فَلا يُؤيِسُ مِنهُ، ولا يُخَيّبُ فيهِ مُؤَمِّليهِ؛ قَد تَرَكَ نَفسَهُ مِن ثَلاثٍ: المِراءِ [أي: الجدل والنقاش]، والإكثارِ، وما لا يَعنيهِ؛ وتَرَكَ النّاسَ مِن ثَلاثٍ: كانَ لا يَذُمُّ أحَدًا ولا يُعيِّرهُ، ولا يَطلُبُ عَثَراتِهِ ولا عَورَتَهُ، ولا يَتَكلّمُ إلّا فيما رَجا ثَوابَهُ؛ إذا تَكَلّمَ أطرَقَ جُلَساؤُهُ كأنّما عَلى رُؤوسِهِمُ الطّيرُ، وإذا سَكَتَ تَكَلّموا، ولا يتَنازَعونَ عِندَهُ الحَديثَ، و إذا تَكَلّمَ عِندَهُ أحَدٌ أنصَتوا لَهُ حتّى يَفرُغَ مِن حَديثِهِ؛ يَضحَكُ مِمّا يَضحَكونَ مِنهُ، ويَتَعَجّبُ مِمّا يَتَعَجّبونَ مِنهُ، ويَصبِرُ لِلغَريبِ عَلَى الجَفوةِ في المَسألةِ والمَنطِقِ، حَتّى إن كانَ أصحابُهُ لَيَستَجلِبونَهُم ويَقولُ: إذا رأيتُم طالِبَ حاجةٍ يَطلُبُها فارفِدوهُ [أي: ساعدوه في حاجته]!
ولا يَقبَلُ الثّناءَ إلّا مِن مُكافِئٍ، ولا يَقطَعُ عَلى أحَدٍ كَلامَهُ حَتّى يَجوزَهُ [أي: يتجاوز الحدّ] فَيَقطَعَهُ بِنَهيِ أو قيامٍ [أي: بأن يقوم من المجلس].
قالَ: فَسألتُهُ عَن سُكوتِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله، فَقالَ عليه السّلام: كانَ سُكوتُهُ عَلى أربَعٍ: الحِلمِ والحَذَرِ والتّقديرِ والتّفَكُّرِ؛ فأمّا التّقديرُ فَفي تَسويةِ النّظَرِ والِاستِماعِ بَينَ النّاسِ، وأمّا تَفَكُّرُهُ فَفي ما يَبقى ويَفنى، وجُمِعَ لَهُ الحِلمُ في الصّبرِ فَكانَ لا يُغضِبُهُ شَيءٌ ولا يَستَفِزُّهُ، وجُمِعَ لَهُ الحَذَرُ في أربَعٍ: أخذِهِ الحَسَنَ ليُقتَدى بِهِ وتَركِهِ القَبيحَ ليُنتَهى عَنهُ واجتِهادِهِ الرّأيَ في إصلاحِ أُمّتِهِ والقيامِ فيما جَمَعَ لَهُم مِن خَيرِ الدّنيا والآخِرةِ، صَلَواتُ اللهِ عليه وآلِهِ الطّاهِرينَ».
- . مطلع أنوار (النسخة الفارسيّة)، ج ٦، ص ٥۱٦:
