
بشارة الأنبياء السابقين بالنبي الأكرم
وبعض صفاته الظاهرية والباطنية
ما هو السبب الذي يجعل دراسة سيرة النبيّ وتفاصيل خصوصياته النفسيّة وتصرّفاته الجزئيّة مهمّةً بالنسبة للمسلمين والمؤمنين بشكلٍ خاص، وللبشريّة عمومًا؟ تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره للجواب عن ذلك في هذه المحاضرة القيّمة مبيناً أنّ السر في ذلك هو كون النبي الأكرم أسوةً حسنةً لجميع الأمم في كافة الأزمنة. ثمّ تعرّض سماحته لبيان فلسفة وفاة والد النبيّ الأكرم ووالدته، وصفات النبيّ الظاهريّة وبعض الصفات الباطنيّة، وبشارة الأنبياء السابقين بظهور النبيّ الأكرم.
بشارة الأنبياء السابقين بالنبي الأكرم
7لقد وصل بالعرب الجاهليّين إلى الحدّ الذي نزلت فيه آية قرآنيّة تقول:
{أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ، حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ، كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ، كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ، لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ، ثُمَّ لَتُسَۡٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ}.۱
يقول الله تعالى: لقد أدى تفاخركم وانتسابكم لآبائكم وأجدادكم أن تذهبوا إلى المقابر وتعدّوا قبور آبائكم وأجدادكم لتثبتوا علوّ قومٍ على قومٍ، فيكون زيادة نسل قومٍ عن نسل قوم آخر من أسباب تفاخركم!
ألا توجد عين هذه القضيّة فيما بيننا، هي موجودة بعينها! لا يوجد فرق بيننا وبينهم! ولهذا يقول الله تعالى: لكي تخرجوا من هذه الصفات والسنن الجاهليّة عليكم ان تنتخبوا أسوةً لأنفسكم، وتلك الأسوة هي وجود النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله:
{لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَهَ كَثِيرٗا}.٢
وهناك رواياتٌ في باب ضرورة الاقتداء بسيرة رسول الله وسنّته،
فقد ورد في إحدى الروايات: «خَيرُ السُّنَنِ سُنّةُ نَبيّكُم»؛٣
إذا كان هناك شخص يرغب في اتباع منهجٍ ما، ويُريد أن يضع قوانين ذلك المنهج نصب عينيه، فعليه أن يتّبع النبيّ الأكرم!
فإنَّ نفس النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في أيّامه الأخيرة من حياته والمليئة بالمحتوى وبالبركة: «لا نَبيَّ بَعدي ولا سُنّةَ بَعدَ سُنَّتي»٤، فكما ليس هناك من نبيٍّ سيأتي من بعدي، فكذلك لن يكون هناك شخصٌ تُأخذ بسنته، فلن تكون هناك سنّةٌ بعد سنّتي.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام حول سنّة النبيّ الأكرم: «واقتَدوا بِهَدى نَبيّكم فإنّهُ أفضَلُ الهَدى، واستَنّوا بِسُنَّتِهِ فإنّها أهدى السُّنَنِ»٥، يعني: «اقتدوا بهدى النبيّ الأكرم، واسلكوا السبيل من خلال النور الذي أرسله لكم، فإنَّ هدى وهداية ذلك النور أفضل الهدى؛ وتأسوا بسنته، فإنَّ سنّته أشرف من كافة السنن».
ومن هنا ما سنفعله في هذه الأيّام ـ بحول الله المتعال وقوّته ـ هو تبيين سبيل النبي الأكرم وسلوكه طوال حياته؛ في مرحلة الطفولة وما قبل البعثة، وفي مرحلة البعثة، سواء في مكّة أو في المدينة، والحالات والخصائص التي كان عليها في تلك الأمور والأحوال والأزمنة الماضيّة، وأن نبين علاقات النبي مع النّاس وسلوكه طبقًا لصبره وسعته.
- . سورة التكاثر (۱۰٢).
- . سورة الأحزاب (٣٣)، الآية ٢۱.
- . تفسير القمّي، ج ۱، ص ٢٩۰:
« وخَطَبَ رَسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فَقالَ بَعدَ أن حَمِدَ الله وأثنى عَلَيهِ: ”أیُّها النّاسُ، إنّ أصدَقَ الحَديثِ كتابُ الله، وأولى القَولِ كلِمةُ التّقوى وخَيرَ المِلَلِ مِلّةُ إبراهيمَ، وخَيرَ السُّنَنِ سُنّةُ مُحَمّدٍ، وأشرَفَ الحَديثِ ذِكرُ الله... .“» - . الأمالي، الشيخ المفيد، ص ٥٣.
- . تحف العقول، ص ۱٥۰؛ نهج البلاغة (عبده)، ج ۱، ص ٢۱٦، مع أدنى تفاوت.
