
بشارة الأنبياء السابقين بالنبي الأكرم
وبعض صفاته الظاهرية والباطنية
ما هو السبب الذي يجعل دراسة سيرة النبيّ وتفاصيل خصوصياته النفسيّة وتصرّفاته الجزئيّة مهمّةً بالنسبة للمسلمين والمؤمنين بشكلٍ خاص، وللبشريّة عمومًا؟ تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره للجواب عن ذلك في هذه المحاضرة القيّمة مبيناً أنّ السر في ذلك هو كون النبي الأكرم أسوةً حسنةً لجميع الأمم في كافة الأزمنة. ثمّ تعرّض سماحته لبيان فلسفة وفاة والد النبيّ الأكرم ووالدته، وصفات النبيّ الظاهريّة وبعض الصفات الباطنيّة، وبشارة الأنبياء السابقين بظهور النبيّ الأكرم.
بشارة الأنبياء السابقين بالنبي الأكرم
10«ولَقَد قَرَنَ اللهُ بِهِ صَلّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ مِن لَدُن أن كانَ فَطيمًا أعظَمَ مَلَكٍ مِن مَلائِكتهِ، يَسلُكُ بِهِ طَريقَ المَكارِمِ ومَحاسِنِ أخلاقِ العالَمِ، لَيلَهُ ونَهارَهُ.
أي: إنَّ الله تعالى قد قرن بالنبيّ أكبر وأقرب وأعظم مَلَك من الملائكة منذ أن كان رضيعًا وطفلًا (ومنذ أن كان طفلًا معصومًا لم يرتكب أيّ خطأ أو اشتباه ولم يرتكب أيّ معصيّة، وكان يسير ويسيح في عالم ما فوق العالم المادّي وفوق عالم الدنيا) كي يتعلّم سبيل مكارم الأخلاق ومسير الكمال النفساني وثقافة الكرامة واعتلاء الأخلاق الإلهيّة، فوضعه تحت تربيته وتعليمه في ليله ونهاره.
النبيّ الأكرم أسوةٌ حسنةٌ منذ طفولته إلى حين وفاته
ولذلك نحن نرى أنَّ ذلك المَلَك يتحرك وفقًا للإرادة الإلهيّة ووفقًا للهداية الإلهية طيلة أيّام النبيّ ولياليه! لذلك يجب ان نستقي من حياة النبي الأكرم ونضعه أسوةً لنا منذ زمان طفولته، لا منذ زمان بعثته!
ثمَّ يقول أمير المؤمنين عليه السّلام:
«ولَقَد كُنتُ أتَّبِعُهُ اتّباعَ الفَصيلِ أثَرَ أُمِّه، يَرفَعُ لي في كُلِّ يومٍ مِن أخلاقِهِ عَلَمًا ويأمُرُني بِالِاقتِداءِ بِهِ».۱
أي: منذ أن كنتُ في حضن النبيّ الأكرم، كان في كلّ يومٍ
يُبيّن لي أحد الأخلاق الحسنة أو مَكرُمةً من المكارم الإلهيّة، ويضعني في وادي المكارم والتكامل، ويأمرني أن اتبع ذلك السبيل.
وقد رأيت شاهدًا على هذا المدعى في أحد الروايات:
في أحد الأيّام كان النبيّ برفقة عدّةٍ من أطفال مكّة يجمعون الحصى وينقلونها من مكان إلى آخر، أي: إنّهم كانوا منشغلين باللعب (وكان عرب مكّة الكبار والصغار يرتدون ثوبًا طويلًا، ومن الممكن أن يكون هذا الثوب هو الساتر الوحيد ولا شيء آخر) وفي بعض الأحيان كانوا يرفعون الثوب ليجمعون فيه الحصى وينقلونه؛ وفي احد المرات همّ النبيّ ليرفع ثوبه ويضع من هذه الحصى في حجره، فأتى جبرائيل وضربه على يده، فأسدل النبيّ ثوبه وسقطت تلك الحصى على الأرض، ففهم النبيّ أنّه لا يجب أن يرفع ثوبه!٢
هذا معنى قوله:
«ولَقَد قَرَنَ اللهُ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلیهِ وآلِهِ مِن لَدُن أن كانَ فَطيمًا أعظَمَ مَلَكٍ مِن مَلائِكتهِ».
بناءً على هذا، علينا نحن أن ننظّم أسلوبنا وبرنامجنا وفقًا لذلك! فلا ينبغي لنا أن نقول: إنَّه طفلٌ، فلا بأس! لا ينبغي أن نقول: إنّه طفلٌ، فلا عيب في ذلك! يجب علينا أن نسوق أطفالنا على ذلك النهج، وفي ذلك المسير، كما كان ذلك المَلَك يسوق النبيّ الأكرم منذ طفولته نحو مكارم الأخلاق.
- . نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ۱٥۷.
- . بحار الأنوار، ج ۱٥، ص ٣٦٣؛ دلائل النبوّة، البیهقي، ج ٢، ص ٣۱:
«عَن رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله و سلّم، أنّهُ قالَ فيما يَذكُرُ مِن حِفظِ اللهِ إيّاه: ”إنّي لَمَعَ غِلمانٍ هُم أسناني قد جَعلنا أُزُرَنا على أعناقِنا لحِجارةٍ نَنقُلُها نَلعَبُ بها، إذ لَكَمَني لاكِمٌ لَكمَةً شَديدةً، ثمّ قالَ: اُشدُد عَليكَ إزارَكَ!“»
