
زواج النبي الأكرم من السيّدة خديجة
الأبعاد الماديّة والملكوتيّة
لماذا ارتضت السيّدة خديجة عليها السلام يتيم بني هاشم ـ صلّى الله عليه وآله ـ زوجاً لها؟ ولماذا ارتضى محمّد الشابّ ـ صلوات الله عليه وآله ـ خديجة سلام الله عليها زوجةً له؟ وهل كان النبيّ جاهلًا بالقراءة والكتابة فعلًا؟ وغيرها من التساؤلات الأساسيّة في دراسة شخصيّة الرسول الأكرم أجاب عليها سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه، في هذه المحاضرة القيّمة فتعرّض إلى الأبعاد الملكيّة والملكوتيّة لزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله من السيّدة خديجة كما تعرّض في الضمن إلى بناء شخصيّة المرأة وصون كيانها بتكاليف العفّة والحجاب، كما أشار إلى إعراض النبيّ عن اللهو واللغو منذ طفولته وشبابه، في مشهد يقارن فيه بين تلك المباني الرفيعة وما آلت إليه شخصيّة بعض من جلس على كرسيّ خلافة النبيّ.
زواج النبي الأكرم من السيّدة خديجة
3ينقل محمّد حسين هيكل في كتابه "حياة محمّد" مطلباً يوضّح هذا الأمر إلى حدّ ما، حيث يقول: كان النبيّ في كلّ سنة يذهب عدّة أيّام إلى غار حراء، ولم يكن ذلك مقصوراً على شهر رمضان حيث كان يقضي الشهر بأكمله هناك، بل إنّه كان يذهب إلى هناك كثيراً في بقيّة أيّام السنة. وقد كانت محبّة السيّدة خديجة للنبيّ وتعلّقها به شديداً بحيث يقلّ نظيره؛ فهي ـ كما ذكرنا ـ قد قدّمت جميع أموالها للنبي صلّى الله عليه وآله، ثمّ قالت له:" أنا أمَتك "، كما أنّها شاركت النبيّ في جميع المشاكل والمصاعب التي واجهته، علماً أنّ المشاكل التي واجهت النبيّ لم تكن مشاكل عاديّة، بل كانت مشاكل شديدة إلى درجة لو أنّ واحداً بالمائة منها.. بل واحداً بالألف منها أصابنا لفارقنا الحياة من هولها!
إنّ السيّدة خديجة عليها السلام أقدمت على هذا الزواج وهي تعلم أنّه سيسبّب لها الهوان والاحتقار في قومها وعشيرتها، فأعمامها كانوا يحذّرونها من هذا الزواج ويعيّرونها به ( أرجو أن تلتفتوا بشكل كامل إلى هذه النكات المهمّة) ولم يؤيّد زواجها هذا من عائلتها إلا ابن عمّها ورقة بن نوفل، الذي كان من علماء النصارى وكان قد شاهد أوصاف النبيّ في الكتب، فشجّعها على الإقدام على هذا الزواج.
إضافة إلى ذلك، فإنّ امرأة كهذه لها تلك المكانة الاجتماعيّة بين قومها ـ بحيث أنّ كلّ واحد من أكابر قومها كان مستعدّا أن يقدّم ثروته كلّها مهراً لها ـ تركت كلّ ذلك، واختارت أن تتزوّج شابّاً لا يملك إلاّ الثوب الذي يلبسه! فلماذا اختارت الزواج منه؟ اختارت ذلك من أجل الله تعالى.. يعني لو نظرنا إلى حياة السيّدة خديجة فلن نجد عاملاً آخر دفعها إلى قبول هذا الارتباط سوى التقرّب من الله تعالى، خصوصاً إذا لاحظنا أنّها كانت مطّلعة على جميع المصائب التي ستواجه النبيّ لاحقاً، إذ كانت كثيراً ما تقول للنبيّ قبل بعثته: أنا أعرف المصاعب التي ستواجهها في المستقبل.. لقد أخبروني بها جميعاً؛ إنّ هؤلاء الكفّار سيؤذونك، وسيقف مشركو قريش في وجهك، ولكن عليك أن تبقى صابراً ثابتاً على مرامك ونهجك!
