
زواج النبي الأكرم من السيّدة خديجة
الأبعاد الماديّة والملكوتيّة
لماذا ارتضت السيّدة خديجة عليها السلام يتيم بني هاشم ـ صلّى الله عليه وآله ـ زوجاً لها؟ ولماذا ارتضى محمّد الشابّ ـ صلوات الله عليه وآله ـ خديجة سلام الله عليها زوجةً له؟ وهل كان النبيّ جاهلًا بالقراءة والكتابة فعلًا؟ وغيرها من التساؤلات الأساسيّة في دراسة شخصيّة الرسول الأكرم أجاب عليها سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه، في هذه المحاضرة القيّمة فتعرّض إلى الأبعاد الملكيّة والملكوتيّة لزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله من السيّدة خديجة كما تعرّض في الضمن إلى بناء شخصيّة المرأة وصون كيانها بتكاليف العفّة والحجاب، كما أشار إلى إعراض النبيّ عن اللهو واللغو منذ طفولته وشبابه، في مشهد يقارن فيه بين تلك المباني الرفيعة وما آلت إليه شخصيّة بعض من جلس على كرسيّ خلافة النبيّ.
زواج النبي الأكرم من السيّدة خديجة
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله ربّ العالمين
و الصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا
أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المكرّمين
و اللعنة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ، والضُّحى ، واللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ، ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ، ولَسَوْفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتيماً فَآوى ، ووَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ، ووَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى ، فَأَمَّا الْيَتيمَ فَلا تَقْهَرْ ، وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ، وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ، ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، الَّذي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ، ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ، فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ}
لتعجيل فرج إمام الزمان عليه السلام، ورفع البلاء والمصائب عن شيعة أمير المؤمنين عليه السلام صلّوا على محمّد وآل محمّد.
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.
اختيار خديجة للزواج من رسول الله
تحدّثنا يوم أمس عن خصوصيّات حضرة السيّدة خديجة سلام الله عليها وصفاتها البارزة، ووصل بنا الكلام إلى هذا الموضوع: أنّها سلام الله عليها كانت متوفّرة على جميع الإمكانات والقدرات المالية، كما كانت ذات مكانة اجتماعية رفيعة، ومع ذلك قبلتْ بالارتباط بالنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله والحال أنّه كان مشهوراً بـ "يتيم بني هاشم"، نعم، هو كان معروفاً بين الناس بمكارم الأخلاق والمناقب الروحيّة والمعنويّة.
لقد حازت هذه المسألة على اهتمام خاصّ في حياة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، فقد ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال أنّ النبيّ الأكرم ذكر خديجة عليها السلام أمام عائشةـ التي هي إحدى زوجات النبيّ ـ فغضبت، وقالت للنبي: حتّى متى تذكر هذه العجوز، وقد أبدلك الله خيراً منها؟ فغضب النبيّ وقال لها:... إنّها قد آمنت بي عندما كفرتم، وصدّقتني عندما أعرضتم عنّي وكذّبتموني...۱
كما أنّ السنّة أنفسهم ينقلون هذا المطلب عن عائشة أنّها قالت: ما غِرت من أحدٍ أبداً إلاّ عندما كان النبيّ يذكر خديجة، عندئذٍ فقط كنت أشعر بالغيرة والحسد لها... وقد كان النبيّ ـ لمصالح يراها ويراعيها ـ كثيراً ما يذكر خديجة عليها السلام، وقد كان محقّاً في ذلك.. فمثلاً كان يذبح شاة قربة إلى الله تعالى ويهدي ثوابها إلى السيّدة خديجة، وكان يذكر ذلك علناً، أو كان يرسلها إلى أقارب خديجة وصديقاتها ممّا كان يحرّك غيرة بعض زوجاته غير الصالحات خصوصاً عائشة٢. وبشكل عام، فإنّ رسول الله كان يحيي ذكر خديجة عليها السلام طوال حياته.
- ورد في "أسد الغابة" لابن الأثير: عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلاّ عجوزاً، فقد أبدلك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتزّ مقدم شعره من الغضب، ثمّ قال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها؛ آمنت إذ كفر الناس، وصدّقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء.
- جاء في "أسد الغابة" لابن الأثير، ج ٥، ص ٤٣۸: عن عائشة قالت: ما غرت على أحد من أزواج النبي ما غرت على خديجة وما بي أن أكون أدركتها (أي والحال أنّي لم أكن أدركتها )، وما ذاك إلاّ لكثرة ذكر رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم لها، وإن كان ربما يذبح الشاة يتبع بها صدائق خديجة فيهديها لهن.
