
زواج النبي الأكرم من السيّدة خديجة
الأبعاد الماديّة والملكوتيّة
لماذا ارتضت السيّدة خديجة عليها السلام يتيم بني هاشم ـ صلّى الله عليه وآله ـ زوجاً لها؟ ولماذا ارتضى محمّد الشابّ ـ صلوات الله عليه وآله ـ خديجة سلام الله عليها زوجةً له؟ وهل كان النبيّ جاهلًا بالقراءة والكتابة فعلًا؟ وغيرها من التساؤلات الأساسيّة في دراسة شخصيّة الرسول الأكرم أجاب عليها سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه، في هذه المحاضرة القيّمة فتعرّض إلى الأبعاد الملكيّة والملكوتيّة لزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله من السيّدة خديجة كما تعرّض في الضمن إلى بناء شخصيّة المرأة وصون كيانها بتكاليف العفّة والحجاب، كما أشار إلى إعراض النبيّ عن اللهو واللغو منذ طفولته وشبابه، في مشهد يقارن فيه بين تلك المباني الرفيعة وما آلت إليه شخصيّة بعض من جلس على كرسيّ خلافة النبيّ.
زواج النبي الأكرم من السيّدة خديجة
13من ملك بودم و فردوس برين جايم بود *** آدم آورد درين دير خراب آبادم.۱ يقول: لقد كنت ملاكاً وكان الفردوس الأعلى مكاني وإنّ آدم عليه السلام هو الذي جاء بي إلى هذا الدير الخرب.
لقد كنت في عالم الملكوت ونزلت إلى عالم الملك، ولم يعد لي علم بالملكوت، وما دمت أسير عالم المُلك فلا خبر لي عن الملكوت، وإذا ما أمكن للإنسان أن يعرج إلى الملكوت الصرف فلن يكون له اطلاع على الملك، أما السرّ في مقام الجامعيّة فهو أنّ النفس بواسطة الصعود والنزول ستكون جامعة لجميع العوالم الملكوتيّة والملكيّة، بحيث تحيط بهما معاً، ومع حفظ جانب الملكوت تستفيد من عالم الملك ومقتضياته ولوازمه وتبعاته وشروطه وحدوده وقيوده، لذا نجد أنّ الإمام عليه السلام أو الأولياء الواصلين إلى مقام الجامعيّة يتحدّثون مع الناس ولهم سلوكهم الماديّ المرتبط بعالم الدنيا ومع ذلك يحفظون ذلك الجانب الملكوتي، نعم إذا شاءوا العروج إلى ذلك العالم [وحده] فبإمكانهم ذلك، ومع أنّهم حاصلون على تلك الجهة الملكوتيّة [منذ البداية] فإنّهم يقطعون نفوسهم الملكيّة التي تقتضي الحديث والتعامل مع الناس ويجعلونها متّصلة بذلك العالم وحده، واتصال النفس الملكيّة بالملكوتيّة يتمّ من خلال حفظ الجهة الملكوتيّة.
لذا نجد أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله في سنّ طفولته وحتّى بعد البعثة مع أنّه واجد لجميع علوم الأولين والآخرين، بل مقامه أرفع من ذلك، وكذا الأئمّة المعصومون عليهم السلام كانوا يقومون ببعض الأعمال يظهرون بها عدم الاطلاع، ولربّما أخبروا أنّهم لا اطلاع لهم على موضوع ما، كلّ ذلك هو بسبب جهة النزول والنفس الملكيّة لهم عليهم السلام.
وبعد ذلك يذكر السيّد المرتضى ما يدلّ قطعاً على أنّ النبيّ الأكرم كان يقرأ قبل البعثة وكان يكتب بعدها، ومنها حديث الكتف والدواة اللذين دعا بهما رسول الله صلّى الله عليه وآله ليكتب كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً. ثمّ ينقل مخالفة عمر ومعرفته مراد النبي وقوله إنّ الرجل ليهجر.٢
نعم لقد كان النبيّ مطّلعاً على كلّ شيء، وكان على علم بما سيجري على أهل البيت وعلى أولاده عليهم السلام، وكان يعلم بما سيصنع المنافقون بهم.
- ديوان حافظ، طبع پژمان، ص ۱٦٢.
- معرفة الإمام، ج۱، ص: ٢۸٩.
يروي ابن سعد في الطبقات، (ج ٢، ص ٢٤٢، طبعة بيروت، ۱٣۷٦هـ) بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: اشتكى النبيّ صلى الله عليه [و ءاله] و سلّم يَوْمَ الخميسِ، فَجَعَلَ- يعني ابن عباس- يَبكي و يقولُ: يَومُ الْخَمِيسِ وَمَا يَومُ الخميس!
إشْتَدَّ بِالنَبيّ صلى الله عليه [و ءاله] وَجَعُهُ فَقَالَ: إئتُوني بِدَوَاةٍ وَ صَحِيفَةٍ أكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدًا.
قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، إنَّ نَبِيّ اللهِ ليهْجُرُ!
قالَ: فَقِيلَ لَهُ: ألَا نَأتِيكَ بِمَا طَلَبْتَ؟
قَالَ: أوَ بَعْدَ مَاذَا؟ قالَ: فَلم يَدْعُ بِهِ.
