
تحليل مرحلة طفولة النبي الأكرم
صلى الله عليه و آله و سلم
ما هي أهمّ أحداث طفولة النبيّ الأكرم وكراماته في مكة؟ تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره للجواب عن ذلك في هذه المحاضرة القيّمة مبيناً أن لا ينبغي دراسة هذه الأحداث بمعايير ماديّة ووضح سبب ذلك، كما سلّط الضوء على موقف أهل الكتاب من اليهود والنصارى من ولادة النبيّ، متوقّفاً عند اهتمام كلّ من عبد المطّلب وأبي طالب رضوان الله عليهما بتربيته، كما تعرّض لطبيعة مشاركة النبي في حرب الفجار، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل عبادة النبيّ وغيرها.
تحليل مرحلة طفولة النبي الأكرم
9طلب منهم الراهب أن يحضروا ذلك الطفل أيضاً معهم، فقالوا له: إنّه يتيم لا أب له، وقد تركناه عند متاعنا ليحرسه، ونحن أصل المسألة وأساسها والعمدة علينا، فلا تعتن به، فأقسم الزبير (أو عبيدة) عمّ النبيّ باللات والعزّى بأن يذهب ويحضر ذلك الطفل، معاتباً إيّاهم على ما استخفوا به ولم يعطوه حقّه ولم يحترموه، فجاء به إلى دير ذلك الراهب.
وينقل أنّ الراهب صار يراقبه ويتأمّل في خصوصيّاته، فكان يتأمّل في خصوصيّاته الجسمانيّة ويفكّر في خصوصيّاته الروحيّة، وسأل الموجودين عنه من يكون؟ فقالوا: ابن أبو طالب، وأنّه حقيقة يتيم توفّي والده فتكفّله أبو طالب.
وقد سأل الراهب النبيّ مجموعة من الأسئلة، ومن أسئلته: بم تمضي أوقاتك؟ وبم تفكّر أغلب الأحيان؟ كيف ترغب أن تكون عندما يحين وقت النوم ليلاً؟ فكانت أسئلته من هذا القبيل؛ ليعرف الأفق الفكريّ للنبيّ الأكرم، وما هو حدّ المقامات التي بلغها؟ فأجابه النبيّ: أحبّ أن أذكر الله دائماً، فقال له: بم تفكّر في الليل وعلى أيّ فكر تنام؟ فأجابه النبيّ: أفكّر في السماء وأحبّ أن أنام متأمّلاً في النجوم والسماوات. وقد بقيت هذه الحالة ملازمة
للنبيّ صلى الله عليه وآله إلى آخر عمره۱، ففي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام ينقلها معاوية بن وهب فيقول: سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول: - وذكر صلاة النبي (صلّى الله عليه وآله ) قال -: كان يؤتى بطهور فيخمّر٢عند رأسه، ويوضع سواكه تحت فراشه، ثمّ ينام ما شاء الله، فإذا استيقظ جلس، ثمّ قلّب بصره في السماء، ثمّ تلا الآيات من (آل عمران): {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}٣. [وتستحبّ قراءة هذه الآيات عند القعود من النوم والنظر في السماء، وهي آيات عجيبة تحتوي على الدعاء وتدلّ على عظمة الله ونور الإيمان في قلب المؤمن، ويبدو فيها بوضوح طلب رضوان الله، وهي تبيّن لنا حالة العبوديّة والركون بين يدي الله] ثمّ يستنّ٤ويتطهّر، ثمّ يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات، على قدر قراءته ركوعُه [أي أنّ وقت ركوعه كان مساوياً لوقت قراءته]، وسجودُه على قدر ركوعِه، يركع حتّى يقال: متى يرفع رأسه؟! ويسجد حتى يقال: متى يرفع رأسه؟! ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من (آل عمران) ويقلّب بصره في السماء ثمّ يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد ويصلّي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله ثمّ يستيقظ ويجلس ويتلو الآيات من (آل عمران) ويقلّب بصره في السماء، ثمّ يستنّ ويتطهّر، ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلّي الركعتين، ثمّ يخرج إلى الصلاة.٥
- راجع السيرة النبوية لابن هشام، ج ۱ ، ص ۱۸۲.
- التخمير: التغطية ، ومنه ركو مخمر ، أي: مغطّى ( مجمع البحرين ( خمر ) ٣: ۲٩۲ ) .
- سورة آل عمران، الآيات ۱٩۰ ـ ۱٩٤.
- يستنّ: يستاك.
- نور ملكوت قرآن، ج٣، ص: ٣۲۰، نقلاً عن «مجمع البيان» ج ۱، ص ٥٥٤ و ٥٥٥؛ و تفسير «نور الثّقلين» ج ۱، ص ٣٥ ۰، عن «تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسى، و في سائل الشيعة ج ٤، ص ۲٦٩ – ۲۷۰ (من طبعة آل البيت) وسندها: محمد بن الحسن بإسناده ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس بن معروف عن عبد الله بن المغيرة عن معاوية بن وهب...
