
تحليل مرحلة طفولة النبي الأكرم
صلى الله عليه و آله و سلم
ما هي أهمّ أحداث طفولة النبيّ الأكرم وكراماته في مكة؟ تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره للجواب عن ذلك في هذه المحاضرة القيّمة مبيناً أن لا ينبغي دراسة هذه الأحداث بمعايير ماديّة ووضح سبب ذلك، كما سلّط الضوء على موقف أهل الكتاب من اليهود والنصارى من ولادة النبيّ، متوقّفاً عند اهتمام كلّ من عبد المطّلب وأبي طالب رضوان الله عليهما بتربيته، كما تعرّض لطبيعة مشاركة النبي في حرب الفجار، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل عبادة النبيّ وغيرها.
تحليل مرحلة طفولة النبي الأكرم
11مشاركة النبيّ في حرب الفجار
ومن الوقائع التي عاشها النبي صلّى الله عليه وآله أثناء طفولته تلك الحرب التي وقعت بين قبيلة قريش وهوازن، وقد كانت تقع بين القبائل العربيّة منازعات لأسباب واهية سخيفة، وكان يقتَل فيها عدد من الطرفين المتنازعَين، وهي معروفة وكلّنا نعلم بأحداثها وخصائصها، وقد نقل المؤرّخون أنّ النعمان بن المنذر أرسل رجلاً إلى مكّة بأمتعة له ليبيعها ويشتري له بدلاً منها من أمتعة مكّة، وفي طريقه يعترضه من يقتله ويأخذ المتاع لنفسه ويأتي به إلى مكّة، عندها تطّلع قبيلة هذا المقتول ـ هوازن ـ على الحدث، إلا أنّ القاتل يسلّم نفسه إلى قريش، فتعرف قريش أنّ حرباً ستقع، فتعدّ لها العدّة، وتسعى قبل وصول هوازن أن تتحرّك صوب الحرم احتماءً به ولِقَداسته عندهم، فقد كان من المتعارف بينهم أنّ من لجأ إلى الحرم لا يُقتَل، غير أنّ هوازن تطلّع على الأمر قبل ذلك، والخلاصة أنّ حرباً ضروساً تقع بين القبيلتين، وقد شارك فيها حضرة أبو طالب أيضاً، وكان يدافع عن قريش، وكان عمر النبيّ خمسة عشر عاماً حين شارك فيها. وقد كان المقاتلون يأوون إلى الحرم ليلاً، ويخرجون للقتال نهاراً، وقد دامت الحرب أياماً، إلى أن انتهوا إلى الصلح، وتراضى الطرفان، وحيث كان عدد القتلى من هوازن أكثر فقد دفعت قريش إليها ديتهم.
لقد شارك النبيّ في هذه المعركة، وكما صرّح هو نفسه، فقد كان أقصى همّه أن يدافع عن عمّه أبي طالب۱، فكان يردّ الحراب إذا اتجهت نحوه، وكلمة أمير المؤمنين عليه السلام في النبيّ صلّى الله عليه وآله معروفة حيث قال:
«كنا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله صلّى الله عليه وآله فلم يكن منّا أقرب إلى العدوّ منه»٢. نعم كانت طريقة النبيّ أن لا يقتل المشركين، بل كان يدفع الضرر الناجم عن
قتالهم، ولم يرد في التاريخ أنّ النبيّ قتل أحداً، سوى رجلٍ واحدٍ.
لقد كانت هذه الحرب أوّل حرب شارك فيها النبيّ في طفولته، ولم يكن له بدّ من المشاركة، ولا ينبغي الاعتراض على مشاركته ومشاركة أبي طالب في هذه الحروب التي كانت تنشب على أساس الاعتبارات والأوهام الجاهليّة؛ لأنّ مشاركتهم لم تكن بهدف القضاء على المقاتلين، بل كانت من باب دفع المحذور، ولم يكن زمام الأمر في أيديهم، وكانت هذه الأحداث ستتّفق شاركوا أم لم يشاركوا، وربّما كانت مشاركتهم سبباً في حصول الكثير من المصالح والخيرات، وقد شارك النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله فقط بغرض حماية عمّه أبي طالب، ولم يَرِدنا أنّه قَتل أو آذى أحداً في هذه الحرب.
- ابن هشام، ج۱ ص ۱۱٩.
- نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع)، ج ٤، ص ٦۱.
