
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
الوصف:
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
9العارف يرتّب الأحكام بحسب خصوصيّة كلّ فرد
لم تكن ولادة تلك المرأة المسيحيّة في عائلة مسيحيّة باختيارها يا عزيزي، ولم تكن نشأتها في تلك البيئة الثقافيّة باختيارها، ولم تُلقّن ما لُقِّنتْ باختيارها، [هذا مِنْ جانب، ومِنَ جانب آخر] لقد كان اعتناقها للإسلام وليدَ عوامل متعدّدة؛ منها المودّة الّتي حصلت بينها وبين ذلك الشاب عند لقائهما في الجامعة أو الشارع أو المحل التجاريّ، فلعلّ تسعين بالمائة مِنْ سبب اختيارها للإسلام هو علاقة الحبّ الّتي ربطتها بذلك الشاب، فلولا ذلك لعلّها لم تكن لتعتنق الإسلام ولبقيت على مسيحيّتها، إذ لم يكن هناك ما يدعوها لأن تصبح مسلمة، فذلك الحبّ هو الّذي جعلها تميل إلى الإسلام.
وبناءً على هذا لم يكن إسلامها مبنيّا على أساس رصين، ثمّ اطّلعت على بعض التعليمات الإسلاميّة الّتي رأتها تعليمات جيّدة، سواء كانت هي بنفسها مَنْ اطّلعت أو كان ذلك بإرشاد مِنْ شخص آخر. ولكن علينا السؤال هنا عن مقدار نفوذ هذا الإسلام ورسوخه في قلبها، فهل كان بحيث تستطيع الصمود أمام الهجمات الّتي ستتعرّض لها والقضايا الّتي ستواجهها في المستقبل ؟
عندما يتمعّن الإنسان فيما حصل لتلك المرأة، سيجد أنَّ رجوعها عن إسلامها قد لا يُسبّب سخط الله وغضبه وعدم رضاه عليها، وليس هذا فقط بل ربما يمتدحها الله على ما فعلته، لأنّها فعلتْ ذلك رعايةً لوالديها ورغبةً في عدم إيذائهما وحرصًا على عدم التفريط بصلة الرحم .. فلا بدّ أنّ الضغط النفسيّ الّذي تعرضت له كان شديدًا بحيث أجبرها على الانفصال عن زوجها وأولادها، (طبعا هي كانت قد اصطحبت أولادها معها حينها)، ولكن لعلّها كانتْ مستعدّة للتخلّي عن أبنائها أيضًا، إن تطلب تمسّكها بما تعتقده وتراه حقّا ذلك. أفلا يرضى الله عن هذا التصرّف ؟
انظروا كيف يحفظ الله ويحمي عبده الّذي يسعى في قرارة نفسه إلى العمل بموجب القوانين ووفقًا للمعتقد والمبدأ الّذي يتبنّاه، ذلك العبد الّذي لم تكن سعة تفكيره تتجاوز حدّ كذا، ولم تكن تسمح له بالتصرّف بأفضل مِنْ ذلك .. ألا تكون هذه المرأة مشمولة لآية الاستضعاف القائلة {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطيعُونَ حيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبيلًا}۱ ؟ فلو كان هؤلاء المستضعفين يهتدون سبيلًا لبدّلوا مسيرهم، ولو كانت تلك المرأة قد أخذت الدين الإسلاميّ مِنْ مصدر آخر لَمَا عادتْ إلى المسيحيّة، ولو كانت تعيش في بيئة أخرى ربّما لم تكن لتتأثّر وترضخ للضغوط الّتي تعرضت لها. ولهذا تتفاوت رؤية أهل المعرفة لأصناف الناس؛ فتراهم يتعاملون مع كلّ واحد منهم بحسب ما له مِنْ خصوصيّات، ويجعلون له حكمه الخاصّ به، فهم لا يرون أنّ الأحكام تنطبق على جميع الناس بشكلٍ واحدٍ.
- ) سورة النساء (٤)، الآية ٩۸.
