انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة

الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»

15٬685
عنوان البصري
الجلسات

لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.

الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»

الوصف:

لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00

الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»

8
  • فهذا التفاوت يعود إلى التفاوت في درجات معرفة الناس، فمنهم مَنْ يعرف الإمام معرفة عاديّة، ومنهم مَنْ تكون معرفته فيه أعلى، وهكذا يتمّ منح الناس الثواب المتناسب مع مقدار معرفتهم وإخلاصهم. [مثلًا] يأتي شخص ويجلس مقابل [ضريح] الإمام فتتجمّع حوله مجموعة بحيث يكونون مقبلين عليه وظهورهم [للضريح]، فهذا نوع مِنْ أنواع المعرفة. ويأتي آخر إلى حرم الإمام، فيُعطي المصوّر ظهره لضريح الإمام مِنْ أجل تصوير هذا الرجل، [فهذا نوع مِنَ المعرفة]. فدرجات المعرفة تختلف مِنْ رجل لآخر. هذا مع كون الرجل يدّعي أنَّه مِنَ العلماء ويتزيَّى بزيّهم ويعتقد أنَّ له نصيب مِنَ المعرفة، غير أنّ التفاوت بينه وبين غيره كالتفاوت المشار إليه في البيت التالي:

  • ميان ماه من تا ماه گردون***تفاوت از زمين تا آسمان است
  • [يقول: إنَّ الفرق بين قمري والقمر الدوّار كالفرق بين الأرض والسماء]

  • أي أنّ قمره على الأرض أمّا قمرنا ففي السماء .. فالفرق واضح جدّا بين [مَنْ له تلك المعرفة المذكورة في الأمثلة أعلاه] وبين مَنْ جلس على الأرض يمسح رأسه وعينيه بتراب نعال زوّار الإمام عندما سَمِعَ شخصًا [يقول له: أيّها السيّد إنّ الخشب لا يُقبّل]، وهي الحكاية الّتي لا بدّ أنّ الإخوة قد قرؤوها۱. فهل معرفة هذين الشخصين بنفس المستوى ؟!

  • على أيّة حال، هذه هي مباني هذه المدرسة الّتي تدعو إلى الحقّ. فالوالدان جزء مِنْ حلقات سلسلة الحقّ هذه. أمّا ما يتعلّق بالدين الّذي يعتنقه الوالدان والمدرسة الّتي يتّبعونها، فهم المسؤولون عن ذلك وحسابهم على ربّهم .. فهل أُوكِلَت إلينا مهمّة منكر ونكير حتّى ندقّق في صحيفة أعمالهم ونحاسبهم ؟! إنَّ الأمر المهمّ بالنسبة لنا هو أن نقوم بإنجاز التكاليف المترتّبة علينا لكي ننال ما ينبغي نيله مِنَ الثواب. ولو تمكّن أحدنا مِنْ أداء واحد مِنْ التكاليف وتمكّن مِنْ كشف السرّ الكامن فيه وتعمّق فيه، لعلم عندها أنَّ ما يناله مِنْ ثوابِ أدائه للتكليف [السلوكيّ هذا] يفوق خمسين مرّة ثواب أدائه لتلك التكاليف المختلفة بطبيعتها عن هذا النوع مِنَ التكاليف [السلوكيّة]. فما يمكن أن يحصل للمرء مِنْ كمال نتيجة قيامه بهذا العمل [مع أبوين غير مستقيمين]، هو أكثر بكثير ممّا يمكن أن يحصل عليه إن قام بذات العمل مع أبوين صالحين، «ولا يعرف هذا إلّا العارفون العالمون بأسرار الله وبأسرار التربية والتزكية الإلهيّة»، فهؤلاء وحدهم القادرون على إدراك السرّ الكامن في الأمر، فهم يعلمون أيّة أسرار مخفيّة وراء اختلاف الدرجات، فهي أسرار إن راعاها يستطيع أن يصل إلى مبتغاه. حسناً، لقد ابتعدنا عن موضوع بحثنا قليلًا.

    1. ) الشخص الّذي مسح رأسه بغبار الزوار هو المرحوم العلّامة قدّس الله سرّه، والقصّة مرويّة في هامش الصفحة ٩٣ مِنْ كتاب (الشمس الساطعة)، والكلام لسماحة العلّامة حيث يقول: كان مِنْ دأب هذا الحقير – قبل إقامتي في مدينة مشهد المقدّسة الّتي انقضى عليها إلى تاريخنا هذا أي الخامس مِنْ شهر رجب ۱٤۰٣ هـ ثلاث سنوات وأربعة أيّام، إذ كان ورودي إلى هذه الأرض المقدّسة في السادس والعشرين مِنْ جمادي الأولى لسنة ۱٤۰۰ هـ – أن أتشرّف خلال فصل الصيف مع جميع أولادي وعائلتي إلى مشهد المقدّسة، فأبقى فيها لما يقرب مِنَ الشهر؛ وقد تشرّفت بالمجيء صيف ۱٣٩٣ هـ، وكان آية الله الميلاني وسماحة العلّامة آية الله الطباطبائيّ كلاهما على قيد الحياة، فاستأجرت منزلًا في نهاية سوق «حاج آقا جان» في زقاق «حمّام برق». وكنتُ عادةً أتشرّف بالذهاب إلى الحرم المطهّر عن طريق الصحن الكبير، فتشرّفت يومًا بالذهاب إلى الحرم قبل الظهر بساعتين، حيث كنت في أحسن حالاتي؛ ثمّ إلى مسجد «گوهرشاد» لأداء صلاة الظهر، فصلّيتها فرادى مع بعض الرفقاء، ثمّ أردت الخروج مِنَ المسجد باتّجاه السوق الّذي كان متّصلًا بالصحن الكبير والّذي كان يمثّل طريقي الوحيد، فقبّلتُ باب المسجد المتّصل بمحلّ حفظ الأحذية، وكانت صلاة الجماعة في مسجد «گوهرشاد» قد انتهت آنذاك فتقاطر الناس للخروج مِنَ المسجد وأدّى ازدحامهم إلى تضييق الطريق. فلمّا قبّلت الباب طرق سمعي صوت رجل يقول: أيّها السيّد، إنّ الخشب لا يُقَبَّل!
      و لم أدرك الحالة الّتي اعترتني إثر هذا الصوت، فقد كانت تمامًا أشبه بشرارة تقدح في القلب فتُفقد الإنسان وعيه، فخرجتُ عن طوري وقلت: لماذا لا يُقَبَّل، لماذا لا يُقَبَّل ؟ إنّ خشب الحرم يُقَبَّل، وخشب محلّ حفظ الأحذية في الحرم يُقَبَّل، وأحذية زوّار الحرم تُقَبَّل، وتراب أقدام زوّار الحرم يُقَبَّل. وكنت أقول كلامي هذا بصوتٍ عال؛ ثمّ ألقيت بنفسي على الأرض فجأةً وسط الجمع و أخذتُ أمسح وجهي بغبار الأحذية وتراب الأرض و أقول: انظر! هكذا هو يُقَبَّل! ثمّ نهضتُ متّجهًا نحو المنزل، فقال ذلك الرجل: أيّها السيّد، إنّني لم أقل شيئًا؛ إنّني لم أتفوّه بجسارةٍ ما ! قلتُ: ما الّذي أردتَ قوله بعدُ ؟! وما الذي أردتَ فعله بعدُ ؟! ليس هذا خشبًا، بل هو خشب محل حفظ الأحذية في الحرم، هنا مرقد الإمام علي بن موسى الرضا، هنا مطاف الملائكة، هنا محلّ سجود الحور والمقرّبين والأنبياء، هنا عرش الرحمن، هنا ... وهنا ... . قال: أيّها السيّد، أنا مسلم، أنا شيعيّ، ومن أهل الخُمس والزكاة، ولقد دفعتُ صباح اليوم حقوقي الشرعيّة إلى سماحة آية الله الميلانيّ. قلتُ: عسى الخُمس أن يُميتك ! إنّ الإمام ليس محتاجًا إلى فضل أموالك، ومباركٌ عليك ما لديك. بل إنّ الإمام يريد منك أدبًا، فلم تفتقد الأدب ؟! أقسم بالله أنّني لن أكفّ عنك حتّى أدخلك نار جهنّم يوم القيامة بيدي فأكفئك فيها على وجهك.
      فتقدّم آنذاك أحد أصهارنا (وهو زوج لأختنا) واسمه السيّد محمود نور بخش فقال: إنّني أعرف هذا الرجل، فهو مِنَ المؤمنين وكان مِنْ مريدي والدكم المرحوم ! فقلتُ: فليكن ! لقد تردّى الشيطان في جهنّم لتركه الأدب. وكنت مشغولًا في تلك الحال بالحركة إلى المنزل، فدخلتُ السوق والرجل يتبعني و يقول: «سامحني أيّها السيّد! أُقسم عليك بالله أن تعفو عنّي». حتّى وصلنا إلى داخل الصحن الكبير، فقلت له: مَنْ أكون أنا لأعفو عنك، إنّني لستُ بشيء ! وجسارتك لم تكن موجّهة إليّ بل إلى الإمام الرضا، وهو أمر لا يمكن غفرانه ! إنّ الأعلام مِنْ علمائنا كأمثال العلّامة وأمثال الشيخ الطوسيّ وأمثال الخواجة نصير والشيخ المفيد والملّا صدرا، كانوا جميعاً ممّن يقبّلون أعتاب هذا المرقد، وكان شرفهم في خضوعهم لهذه الأعتاب؛ ثمّ تأتون فتقولون: إنّ الخشب لا يُقَبَّل! قال: لقد أخطأتُ وأنا تائب ولن أكرّر خطأ كهذا أبداً ! قلتُ: إنّني لست مكدّراً منك في قلبي بقدر ذرّة، و إن كنتَ تُبتَ حقيقة فإنّ أبواب السماء مُشرّعة بوجهك! وكان الناس في الصحن الكبير في تلك الأثناء يتقاطرون صوبنا من كلّ جهة، ثمّ عدتُ إلى المنزل.
      ثمّ تشرّفت عصر ذلك اليوم بالذهاب إلى محضر الأستاذ الكريم المرحوم الفقيد آية الله الطباطبائيّ رضوان الله عليه، فدارت بيننا مذاكرات في شأن بعض النفحات الّتي تومض كالبرق على القلب فتجعل الإنسان تائهًا يتغرّب عن معيشته، ومِنْ جملتها هذا البيت لحافظ: (برقى از منزل ليلى بدرخشيد سَحَر * وَه كه با خرمن مجنون دل افكار چه كرد) [وترجمته: أومض برق مِنْ منزل ليلى سحرًا، فآه ما فعل بيدر مجنون ليلى وأفكار قلبه الجريح] فأورد العلّامة بيانات قيّمة، فتذكّرتُ بالمناسبة واقعة اليوم، فقصصتها عليه وقلت: أهي أيضًا مِنْ تلك الومضات ؟ فسكت العلّامة طويلًا، وكان مُطرقًا برأسه مفكّرًا، ثمّ لم يقل شيئًا !
      وكان من دأب المرحوم آية الله الميلانيّ أن يجلس نهارًا في القسم الخارجيّ مِنَ البيت قبل الغروب بساعة، وكان سماحة العلّامة آية الله الطباطبائيّ يذهب إلى منزله في تلك الساعة فيلتقي به، ثمّ يتشرّف قرب الغروب بالذهاب إلى الحرم المطهّر، أو يحضر في صلاة الجماعة هناك، فيجلس في آخر الصفوف كطالب عاديّ.
      وكان قد مرّ على موضوع نقلي لقصّتي إلى سماحة الاستاذ ثلاثة أيّام تقريبًا، حين التقيتُ في مشهد بأحد أصدقائي السابقين واسمه «الشيخ حسن منفرد شاه عبد العظيمي» فقال: ذهبتُ أمس إلى منزل آية الله الميلاني، فكان العلّامة الطباطبائيّ ينقل بالتفصيل ما حدث لأحد علماء طهران في مسجد «گوهرشاد» عند خروجه وتقبيله باب محلّ حفظ الأحذية في المسجد، فكان العلّامة يذرف الدموع مِنْ أوّل القصّة إلى آخرها، ثمّ قال ببشاشة وسرور: الحمد لله إنّ هناك – فعلًا – بين العلماء أفرادًا متمسّكين بالشعائر الدينيّة وبإظهار الأدب في ساحة قدس الأئمّة الأطهار. ولم يورد العلّامة اسم ذلك العالم، إلّا أنّني استنتجت مِنَ القرائن أنّكم أنتم [هو ذاك العالم]. أفكان الأمر كذلك ؟ قلت: نعم، إنَّ القضيّة تتعلّق بي.
      وعلمتُ آنذاك أنّ سكوت العلّامة وتفكيره كان علامة الرضا والإقرار لتصرّفي، حيث قام بنقل تفاصيل الحادث مقروناً بالبكاء؛ رحمةُ الله عَلَيْهِ رَحْمَةً وَاسِعَةً. [المترجم]
/