
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
الوصف:
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
21أمّا ما يتعلّق بأمور الدنيا، فبما أنَّها تقع في الجهة المعاكسة، وبما أنَّها محفوفة بالزينة البرّاقة الّتي تخطف الأبصار نرى تقاتل أهل الدنيا لنيل نصيب مِنْ حُطامها، وهم غير مستعدّين للتخلّي عنها حتّى آخر رمقٍ مِنْ حياتهم.
إنَّ قول الإمام الصادق عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» يشير إلى هذه الآفة الّتي يتعرّض لها المرء؛ فهو بعد أن يتّبع التعليمات ويعمل بموجبها لبعض الوقت تصبح هذه الأمور تدريجيّا مع مرور الأيّام عاديّة بالنسبة إليه، والحال أنّه غير مدرك أنّه قد دخل الجنّة لتوّه بالتزامه بتلك التعليمات، فحينئذ ما الّذي يعنيه التوقّف في هذه المرحلة، وما الّذي يدعو لهذا التوقّف ؟! فهل يوجد خيار آخر أمام الإنسان لينتخبه ؟! وكيف يريد المرء إمضاء أيّامه وبأيّ أمل، فهل ينتظر أن يحصل له أمر ما في المستقبل، وما هو هذا الأمر الّذي ينتظر حصوله ؟!
ها قد فُتح له الباب وأُدخل إلى هذا البستان وانتهى الأمر. أمّا أن يدخل أحدنا بستانًا وتكون عينه متوجّهة إلى شيء آخر [فليعلم حينئذٍ] أنَّه يتعرّض لوساوس شيطانيّة تقول: إنَّك لم تصل إلى ما كنتَ تصبو إليه، فلن يفرق الأمر سواء عملتَ أم لم تعمل ! وأمثال تلك الوساوس. أو قد يقول له الشيطان: ما دُمتَ قد قُبلتَ فقد حصل المطلوب .. [أقول:] إنَّ هذا الكلام غيرُ صحيحٍ، فما هذا إلّا أوّل الطريق فقط.
في السابق، ومِنْ خلال مرافقتنا للعظماء، كنّا نشاهد أمثال هذه التجارب تمر أمامهم؛ فكان يأتي البعض بشوق ونشاط زائدين وبفرح واشتياق وبحرارة فائقة، فيكون المجلس الأوّل بالنسبة إليه مجلسًا جذّابًا يعمل على زيادة توجّهه وعلى نموّ حالته الروحيّة، غير أنَّه بعد مرور وقتٍ يتبدّل هذا الحال، فيصبح ذهابه إلى المجلس ذو طابعٍ رسميٍّ، فنراه يقول في نفسه: ليس مِنَ اللائق أن لا أذهب إلى المجلس، وقد أُسأل عن سبب عدم حضور مجلس عصر الجمعة، وماذا سيُقال عنِّي إن لم أحضر مجالس المساء .. [أقول:] إن وصل بك الأمر إلى هذا الحدّ فأمرك قد انتهى، فلا تحضر المجالس بعد ذلك لأنَّك لن تجني نفعًا، فلا تتعب نفسك وابق في بيتك مع زوجتك وأبنائك. نعم، إن وصل بك الأمر إلى الحدّ الّذي يكون هدفك مِنْ حضور المجالس هو مجرد رُؤية أصدقائك وإثبات وجودك ولأن لا يُقال عنك كذا وكذا، يكون أمرك قد انتهى حينئذٍ، وهنا يكمن الخطر، فلن تجني مِنْ حضورك في تلك المجالس نفعًا. أمّا إن حافظت على حالتك الّتي حضرت بها أوّل مرّة، فإنَّك ستستفيد مهما كانت الكيفيّة الّتي تحضر المجالس بها، لأنَّ لله شأن في قلبك وباطنك وسرّك. فهذا السالك سيثبت في مسيره حينئذٍ .. وكنتُ أشاهد بنفسي مثل هذه الأمور.
