
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
الوصف:
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
20والعجيب في الأمر أنَّ النفس تتعامل مع الأمور الدنيويّة بعكس هذا تمامًا؛ فنرى الشخص يواصل عمله يوميّا [دون كَلَلٍ]، وإن كان يمتلك متجرًا يسعى لامتلاك الثاني غدًا، وإن شَغَلَ رتبةً وظيفيّةً فلا يكتفي بها بل يسعى للحصول على رتبةٍ أعلى، وإن كان يمتلك متجرًا بمساحة أربعة في ثلاثة أمتار ممّا يكفيه لسدّ كافّة احتياجاته إلى نهاية عمره، نراه لا يكتفي بذلك بل يضع عينه على متجر آخر يقع في الطرف الآخر مِنَ السوق – ينوي صاحبه بيعه بقيمة مناسبة – وذلك مِنْ أجل تطوير عمله، فيبادر فورًا إلى شرائه وتوظيف الأشخاص فيه، ثمّ يفكّر بعدها بشراء متجرٍ ثالثٍ، والحال أنّ المتجر الأوّل كفيلٌ بتأمين ما يحتاج إليه في حياته اليوميّة وتأمين مستقبلٍ مُرضٍ له، غير أنَّ النفس تسعى للتوسّع في طلباتها. وإن حصل أحدهم على رتبة وظيفيّة، نراه يسعى لأن يصبح مديرًا ومديرًا عامّا ووزيرًا وهكذا، غير مكتفٍ بالوضع الّذي هو عليه أبدًا .. هكذا هي النفس الإنسانيّة.
أمّا إن تعلّق الأمر بالجنبة العباديّة، فإن نال الإنسان مقامًا عباديّا يصبح هذا الأمر مع مرور الأيّام أمرًا عاديّا بالنسبة إليه.
كان أمير المؤمنين يتألّم عندما يرى الحال الّذي عليها الناس، فكان يقول: ها أنا عَلِيّ خليفة رسول الله وساقي الكوثر والفاعل لما يشاء موجود معكم وبين أظهركم، وأنا أمتلك كلّ ما تطمحون إليه فـ «سلوني قبل أن تفقدوني»، ولقد اختبرتموني وعلمتم صدقي بأنفسكم. ثمّ انظروا إلى الطرف المقابل، ومَنْ يكون قائدهم .. إنَّه معاوية، ومع هذا انظروا إلى بسالتهم في الحرب للدفاع عن حكومته الدنيويّة. أمّا أنتم فتأتونني كلّ يوم بمزيد مِنَ الأعذار وتُكثرون مِنَ الدسائس [وتتهرّبون مِنَ القتال] متحجّجين بحرارة الجوّ حينًا وبرودته حينًا آخر، وتتحجّجون بشوكة أصابت الرِجْل وبكذا أصاب العين، فليتني حصلتُ على رَجُل واحد منهم مقابل عشرة منكم ..۱ ما الّذي يعكسه كلام أمير المؤمنين هذا ؟ إنَّه يعكس ما نحن بصدد الحديث عنه، وهو أنّ أصحابه قد رضُوا بذلك المقام الّذي اكتسبوه ولا يرغبون في التكامل والوصول إلى ما هو أفضل ممّا هم عليه.
- ) فقرات هذا المقطع مستفادة مِنْ خطبه عليه السلام خاصّة خطبه في أهل الكوفة. ومنها ما جاء في نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص ۱٤٢، عندما قال: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ. [المترجم]
