
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
الوصف:
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
14فالماء الصاعد في البئر عن عمق عشرين مترًا كان بقدرة وإرادة مَنْ ؟! فهل يتمكّن الماء بنفسه أن يصعد إلى الأعلى، فإن كان ذلك يحصل تلقائيّا فلماذا لم يحصل مِنْ قبل ؟! إنَّ هذا يدلّ على أنَّ الماء لا يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه، بل قد تمّ كلّ ذلك عبر طيّ سلسلة مراتب، فأتت الملائكة وتصرّفت في ملكوت ومِثَال الماء وجعلته يصعد مِنْ عمق عشرين مترًا إلى السطح. فكلّ ذلك تمّ نتيجة لتصرّف الملائكة في ملكوت الماء لا في الماء [الماديّ] نفسه، وبذلك صعد الماء ووصل إلى سطح الأرض. إنَّ الملائكة الّذين قاموا بهذا العمل، هم أنفسهم الّذين عملوا على وصول ماء السدّ إلينا عبر شبكة الأنابيب. فلا فرق بين هاتين الحالتين، بل إنَّ كليهما واحد، فلو لم تشأ الملائكة ذلك لما كان الماء سيجري في الأنابيب، ولحصل انسداد فيها، ولحصل ألف عائق يحول دون وصول الماء إلينا، لماذا؟ لأنَّ الملائكة لم تشأ ذلك، بل شاءت عدم جريان الماء.
ونلاحظ أنّ أمثال هذا كثير الحصول في حياتنا اليوميّة؛ فقد يحصل أن تتعطّل إحدى الآلات في محل العمل أو في المنزل، ثمّ يزول هذا العطل تلقائيّا، فالعطل قد حصل دفعةً واحدةً، ثمّ زال بدفعةٍ واحدة أيضًا. وهذا كثير الحصول في حياة الإنسان؛ فنرى كيف يبذل المرء جميع وسعه وجهده لحلّ مشكلة ما دون أن يتمكّن مِنْ حلّها. نعم، يحصل الكثير مِنْ أمثال ذلك في حياتنا اليوميّة.
حذارِ أن يَسلب الله منك معرفة البديهيّات
قال لي أحد أصدقائي الأطبّاء (ولعلّه مِنْ أطباء الدرجة الأولى على مستوى العالم في طبّ العيون): أخذني العُجب بنفسي مرّةً وأنا أقوم بإجراء عمليّة جراحيّة في إحدى المستشفيات.
وهي عمليّة بالنسبة إلى هذا الطبيب لا تختلف عن قرض الأظافر بالنسبة إلينا، فعمليّة الماء الأبيض (الكاتاراكت) تعتبر عاديّة جدّا بالنسبة إليه إذا ما قورنتْ ببقيّة العمليّات المعقّدة. وكان هذا الطبيب قد قال لي بنفسه أنّه لا يوجد في العالم مَنْ يُجيد إجراء العمليات الجراحيّة مثله.
يقول الطبيب: عندما تقدّمتُ لإجراء العمليّة وقفتُ متحيّرًا لا أعرف مِنْ أين أبدأ بفتح الغشاء، أَمِنْ هذا الطرف أم مِنْ ذاك – هذا في الوقت الّذي كان قد أنجز [العديد] مِنْ هذه العمليّات – فما إن شرعتُ بفتح الغشاء مِنَ الأعلى بدل الأسفل – حيثُ سُلبتْ منه معرفة أبده البديهيّات في مثل هذه العمليّة، وهو الطرف الّذي يجب أن يبدأ به فتح الغشاء – التفتَ إليّ مساعدي وقال: ما الّذي تفعله ! عليك أن تبدأ مِنْ هذا الجانب. فقلتُ: نعم، إنَّك على حقّ.
