
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
3أو لماذا كان والدنا فلان ولم يكن رجلًا غيره، ولماذا كانت أمّنا هذه المرأة ولم تكن غيرها ؟ ولماذا تواجدنا في هذه البيئة بدلًا عن غيرها ؟ إنّ كلّ هذه التساؤلات ليست إلّا خيالات وأوهام، فلا ينبغي لأحد السؤال عنها، كما أنّه لا يمكن لفكر أو خيال الإنسان أن يوصله إلى أيّة نتيجة في هذه الأمور. نعم، إنّما اقتضت سلسلة العِلل لعالم المسبَّبات وعالم التقدير والمشيئة الإلهيّة أن يُخلق فلان في هذه البرهة مِنَ الزمان ومِنْ هذا الأب وتلك الأم وفي هذه الظروف وفي هذه المدينة وفي هذا المكان وفي هذه العائلة والأسرة. وهذا أمر بديهيّ وطبيعيّ. فيتوجّب على الإنسان أن يُقيِّم واقعه بناء على ذلك، وبناء عليه يؤدّي التكاليف الّتي فرضها الله عليه.
إنَّ هذا الموضوع دقيق للغاية، وهو ممّا يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار في التربية والإرشاد وفي تعيين التكاليف على الناس، حتّى التكاليف والأحكام الظاهريّة والعبادات؛ وهو أمر مغفول عنه [مِنْ قِبَل العلماء العاديّين]، أمّا بالنسبة لأولياء الله [فهم يعيرون] هذا الأمر (أعني الخصوصيّات الفرديّة للشخص) اعتبارًا كبيرًا في تعاملهم مع الآخرين، فهم يأخذون بالاعتبار البيئة الّتي وُلد وترعرع فيها الفرد وما ترك فيه مِنْ خصائص. فمنابع الوحي والتشريع تحسب للمحيط الثقافيّ الّذي نشأ فيه الفرد – والّذي يؤثّر عادةً في تكوين ثقافته وطريقة تفكيره – حسابًا كبيرًا في تعيين التكليف عليه.
أتذكر أنّ أحد الأطباء زار المرحوم العلّامة، عندما كان يسكن في مدينة مشهد وذلك في سنوات عمره الأخيرة على ما يبدو، وكان مِنَ الأطباء المعروفين لا في إيران وحدها [بل خارجها أيضًا]، ولا أريد أن أوضّح الكثير عن مجال اختصاصه، وخلاصة الأمر أنّه كان مشهورًا ومِن سكّان مدينة طهران وحاصل على شهادته مِنْ أمريكا، وكان قد تزوّج هناك مِن امرأة مسيحيّة اعتنقت الإسلام وبقي والداها على الديانة المسيحيّة، وهو مِنَ السادة على ما يبدو – إن لم أكن مخطئًا في ذلك – وقد أنجب منها ثلاثة أبناء. يقول الطبيب: عشنا لسنوات عديدة، وكانت بيننا وبين أهلها زيارات متبادلة، حيث كانوا يعيشون في مدينة أخرى .. عندما كنتُ أدخل البيت كنت أرى زوجتي – أحيانًا – مشغولة البال تفكّر في أمرٍ ما، وعندما أسألها عمّا يشغل بالها، لم تكن تجيبني بشيء. وفي أحد الأيّام عدتُ مِنَ المستشفى ولم أجد زوجتي في البيت، وهو أمر لم يحصل مِنْ قَبْل، وكذلك الأولاد لم يكونوا في البيت، ولعلّهم كانوا في مدارسهم أو أنَّها أرسلتهم إلى مكان آخر. وكان الرجل ينقل هذه الحكاية في حالة مِنَ التأثّر الشديد. يقول الرجل: عندما فتحتُ خزانة الملابس، لم أجد ملابسها وحقيبتها وأغراضها الشخصيّة، فأصابني الذهول لدرجةِ أنّي جلستُ على الأرض دون اختيار، وتألّمتُ كثيرًا ممّا حصل. ثمّ تابع الرجل الموضوع فوجد أنَّ زوجته قرّرت قطع علاقتها به نهائيّا والعيش مع والديها. فاتصل بها تلفونيّا، فقالتْ له وهي تبكي بأنَّها لا تستطيع الاستمرار في حياتها الزوجيّة معه، وأنَّها كانت تعاني مِنْ عذاب الضمير خلال تلك الفترة، وأنَّها عادت إلى المسيحيّة نتيجة ضغوط مارسها والداها عليها بعد اعتناقها الإسلام. فكانت تلك الضغوط قد تجاوزت قدرتها على التحمّل، والّتي وصلت إلى حدّ تهديدها بالتبرّئ منها واعتبارها ابنة عاقّة إن لم تعد إلى المسيحيّة، الأمر الّذي لم تستطع أن تتحمّله بسبب شدّة حبّها لوالديها وصلة الرحم الشديدة بينهما.
