
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
لقوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» جنبتان؛ جنبة ربوبيّة، وهو ما شرَع به سماحة السيّد في محاضرة شرح عنوان البصريّ (147) وأتمّ الكلام عنها هنا. وجنبة خَلقيّة، وهو ما تناوله في الجزء الثاني مِنْ هذه المحاضرة، وهي جنبة تتمثّل بمقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها. وفي الجملة سلّط الضوء على اختلاف المعارف ومستوى الفهم والإدراك والرؤية بين أهل الظاهر والعرفان، وأَثر ذلك؛ على ترتّب الأحكام الظاهريّة والسلوكيّة، وعلى الحياة الماديّة والمعنويّة، وعلى اختيارات الإنسان، وعلى مستوى الكمال والهداية والتفكُّر، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
الجنبة الخَلقيّة لقوله «والله أسأل أن يوفقك لاستعماله»
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
أتذكّر أنَّني تحدّثت للإخوة في المجلس السابق عن قول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ بعد أن طلب الأخير منه وصيّة، فبيّن الإمام لعنوان بعض الأمور ثمّ قال له: «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ». وقلتُ للإخوة حينها أنَّ لكلام الإمام عليه السلام هذا وجهان – وكنتُ متصوّرًا حينها أنَّني سأتمكّن مِنْ تغطية كلا الوجهين في البحث – هما: الوجه الربوبيّ، والوجه الخَلقيّ الّذي هو مقام الاختيار وتربية النفس وإعدادها.
الوجه الربوبيّ لقوله «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ»
لقد قلتُ في شرحي للوجه الأوّل۱ أنَّ كلّ ما يستطيع الإنسان نيله مِنْ درجات الكمال والهداية، سواء كان ذلك ابتداءً أم استدامةً واستمراراً، هو بتوفيقٍ مِنَ الله، ولا يوجد أيّ دخل للإنسان في هذا المجال. فلا يمكن للإنسان التدخّل في عمل الله، فالله هو الّذي يختار الطريق المناسب الّذي يهدي بواسطته عباده. ولَمَّا كان هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد مِنَ الشرح والتوضيح، فسأتوسّع – إن شاء الله – في شرحه وتحريره في الجزء الثالث [مِنْ كتاب أسرار الملكوت] والّذي هو قيد التأليف٢، فإن وفقني الله سأعمل بحوله وقوته على شرحه بتفصيل أكبر هناك. ولكن مراعاةً لمقتضيات وظروف هذا المجلس أقول أنَّ الأمر المهمّ الّذي يجب علينا مراعاته هو ضرورة الطاعة والانقياد لأوامر الله الّتي رسمها لعباده في هذا الطريق. هذا هو الأمر المهمّ في القضية، أمّا ما يتعلّق بالكيفيّة الّتي ستتحقّق وتحصل بها تلك المطالب، فهو أمر خارج عن اختيارنا، شأنه في ذلك شأن الكثير مِنَ الأمور التكوينيّة الّتي هي خارجة عن إرادتنا واختيارنا. فعلى سبيل المثال:
لماذا خُلقنا في هذه السنة، أي في سنة ألف وأربعمائة وثمانية وعشرين للهجرة، ولم نُوجَد قبل مائة سنة ، أو لماذا لم نُخْلَق بعد مائة عام ؟ فإنّ هذا الأمرخارج عن إرادتنا.
أو لماذا لم نُخلق في عهد رسول الله أو في عهد الإمام الصادق أو الإمام السجّاد ؟ ولماذا لم نكن في [واقعة] كربلاء ؟ إنّ أمر ذلك كلّه ليس بأيدينا، ولن يسألنا الله عنه ولا منكر ونكير، وإنّما اقتضت سلسلة العِلل والمسبِّبات واقتضى عالم التقدير أن نُخلق في هذه البرهة مِنَ الزمان، وهكذا هو الأمر بالنسبة إلى المسائل الأخرى الّتي مِنْ هذا القبيل.
- ) وذلك في محاضرة عنوان البصري (۱٤۷) تحت عنوان: الجنبة الربوبيّة لقوله «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ». (م)
- ) الجدير بالذكر أنّه قد أُنجِز الكتاب بأجزائه الثلاثة، وتُرجم إلى العربيّة تحت العنوان المذكور. (م)
