
الدنيا: حقيقتها وأهميّتها وكيفيّة العيش فيها
ما الفرق بين الفخر والتفاخر والكثرة والتكاثر؟ وكيف يزول الفخر؟ وما الحدّ الفاصل بين التكاثر والاقتصاد؟ ولماذا جعل الله الإنسان في عالم الدنيا؟ وهل لطول العمر وقصره فيها أثر في التكامل؟ وهل الزهد تركها أم ترك التعلّق بها؟ وما الطريقة المثلى للعيش فيها؟ أسئلة يجيب عنها وعن غيرها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة من شرح حديث عنون البصري فقرة ولا يطلب الدنيا تفاخرًا ولا تكاثرًا.
الدنيا: حقيقتها وأهميّتها وكيفيّة العيش فيها
16الكلام هو في الكيفيّة المطلوبة للوجود في هذه الدنيا، والكيفيّة المطلوبة للحياة في هذه الدنيا، وماذا نصنع حتّى نتمكّن من الاستفادة من عمرنا ومن تلك الإمكانات التي أعطانا الله للوصول إلى ذلك الكمال، هذا هو المهمّ. أن نستفيد ممّا آتانا الله بأفضل نحو وأفضل وجه، ونوصل استعداداتنا إلى الكمال، الميزان والمعيار الذي عيّنوه لنا أن كم نهتمّ بالدنيا وكم نمتنع وهو هذا: التفتوا جيّدًا أيّها الأصدقاء! إنّ ذاك المعيار والميزان والضابط الذي يميّز بين جانبي الإفراط والتفريط هو هذا: هل العمل الذي نقوم به له مستند عقلائي أم لا؟ هذا ما يغدو معيارًا. ومن الآن فصاعدًا كلّ إنسان يعلم كيف يطبّق هذا المبنى على أعماله في هذه الدنيا. نريد أن نشارك في هذا المجلس، فهل للمشاركة فيه مستند عقلائي أم لا؟ عقلائيّ لا تخيليّ ولا اعتباريّ، إن لم أشارك ينزعجون، هذا ليس عقلائيًّا، ينزعجون فلينزعجوا! فلينزعجوا قليلاً هم أيضًا! لماذا فقط نحن من ينزعج دائمًا؟! إن لم أقم بهذا العمل فستوجد مشكلة لاحقًا في علاقاتي، فلتكن. المبنى العقلائي، العقل يعني الميزان والمعيار هو الذي جعله الله تعالى معيارًا وميزانًا للكمال، وهذا الميزان لا وجود له في هذا الخشب، لا وجود له في هذا الجصّ، ونحن بواسطة هذا المعيار والميزان نوجّه مسيرنا نحو الكمال. إن كان عملنا مطابقًا لهذا الميزان والمعيار فهو عمل السالكين، وإلاّ فهو عمل دنيويّ.
كلّ ما تتصوّرته في العلاقات يمكن أن يكون على أساس هذه القاعدة. ومن ذلك على سبيل المثال تناول الطعام. الطعام الذي تأكله، الطعام الذي نأكله على أيّ قاعدة؟ هل على أساس الالتذاذ والأنس، أو على أساس الصحّة والسلامة؟ هذا التفكير الموجود عند البعض كان موجودًا لديّ سابقًا! فعندما قرّرت الانتقال إلى قم كان عمري سبعَ عشرةَ سنة أو ثمانيَ عشرةَ سنة، وكنت أظنّ كالكثيرين أنّ الإنسان لا يحتاج إلى الغذاء، لا حاجة لدى الإنسان إلى هذه الأمور. وكنت قد قلت للوالدة أنّي عازم على الاستقرار في قمّ، فقالت: حسنًا، ماذا ستصنع بطعامك؟ قلت: لا مشكلة، أشتري رغيفًا من خبز السنكك۱، مع نصف كيلو من البصل ليكونا غدائي وعشائي، فصعدت الوالدة إلى الطابق العلويّ عند الوالد، وقالت: أنت تريد أن ترسل هذا المجنون إلى قم لترجع جنازته بعد شهر؟ انظر ماذا يريد أن يصنع هذا؟ فناداني المرحوم العلاّمة إلى الأعلى فقال: ماذا تقول أمّك؟ قلت: لا شيء، ألا توافقون على هذا الأمر؟ فأخذ يوضّح لي: ما هذه الأعمال؟ ما هذا الكلام؟ لقد خلق الله الإنسان على أساس قدرات معيّنة واستعدادات معيّنة، فإذا قصّرنا فنحن مسؤولون! وإذا أفرطنا فنحن مسؤولون أيضًا. لقد خلق الله الإنسان على أساس ظروف معيّنة ولا بدّ من رعايتها، وإذا لم يقم بها الإنسان فسيواجه غدًا ألف مصيبة.
- نوع من الخبز طويل الشكل يخبز في فرن مليئ بالحصى.
