
الدنيا: حقيقتها وأهميّتها وكيفيّة العيش فيها
ما الفرق بين الفخر والتفاخر والكثرة والتكاثر؟ وكيف يزول الفخر؟ وما الحدّ الفاصل بين التكاثر والاقتصاد؟ ولماذا جعل الله الإنسان في عالم الدنيا؟ وهل لطول العمر وقصره فيها أثر في التكامل؟ وهل الزهد تركها أم ترك التعلّق بها؟ وما الطريقة المثلى للعيش فيها؟ أسئلة يجيب عنها وعن غيرها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة من شرح حديث عنون البصري فقرة ولا يطلب الدنيا تفاخرًا ولا تكاثرًا.
الدنيا: حقيقتها وأهميّتها وكيفيّة العيش فيها
11في آخر سنة من حياة المرحوم العلاّمة كنّا في منزله يومًا فرأينا أنّ أحد السادة المراجع جاء من قم إلى مشهد، وقد جاء لزيارة العلاّمة، وأنا كنت جالسًا، فقمت لآتي بشراب أو شيء آخر، فلمّا رجعت وجدت أنّ المرحوم العلاّمة يضحك، ولم أدرك حقيقة الأمر. عندما انتهى الكلام وذهب قال العلامة: أتدري ماذا يقول لي هذا؟ يقول: هل لديك اطّلاع على علوم الرمل والجفر والعلوم العجيبة وهذه الأمور؟ قلت: حسنًا في النهاية ماذا تريد؟ فقال: أريد أن أعرف متى ينتهي عمري؟ جئت لأسألك هل لديك اطّلاع على عمري؟ فقال: أولاً أنا لا اطّلاع لي على هذه الأمور، ثمّ لو فرضنا أنّي أخبرتك أنّك ستعيش إلى سنتين فماذا تريد أن تصنع؟ أتلتفتون؟ فالرفقاء الآن يلتفتون أنّ الأمر كم يختلف وكم هو الفارق؟! ما معنى متى ينتهي عمري؟! غدًا سينتهي! فماذا ستفعل، ماذا؟ تقوم وتلطم على رأسك أم تقوم بالأعمال المتعارفة؟ افترض أنّه بعد أسبوع سينتهي، فإنّك ستقوم بهذه الأعمال نفسها في النهاية، في النهاية ستعاشر الناس وتداريهم، تقوم بعمل الخير، وتطبّق أعمالك على الموازين، وتمتنع عن الإفراط والتكلّف وتنظّم أمورك... [لا أن تقول] بعد سنة! ولله الحمد لا يزال حيًّا، وإن شاء الله أضاف الله مائة عام على عمر هكذا أناس لنرى في النهاية هل يقولون ذلك أيضًا أم لا؟ هل يستمرّون من جديد في السعي إلى... ولكن كلاّ يا عزيزي! لا لهذه الأمور، لا فرق بين ساعة واحدة، وبين مئات الساعات، ومئات السنين! فالأولياء هم هكذا، العارف هكذا: سواء بقي ساعة فإنّه يقضيها وفق القواعد والأسس العقلانيّة وما يرضي الله، سواء قيل لك ستعيش ثلاثمائة سنة أخرى، لو قيل لك ستعيش ثلاثمائة سنة أخرى، فهل ستخرج عن هذا الطريق العقلاني؟ هل ستعمل على التعدّي والجناية؟ هل ستعمل على السرقة والاختلاس؟ هل ستشتغل بالإجحاف؟ هل ستشتغل بالاعتداء على الحقوق؟ لأجل ماذا؟ لماذا؟ لماذا يقوم الإنسان بذلك؟
كان هناك في العصور السابقة أناس يعيشون ألف سنة. كنت أقرأ في رواية حول عمر النبيّ نوح أنّه عاش ألفي سنة، كان منها ألف سنة فقط بين الناس في الرسالة: {ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عامًا}۱ قضى تسعمائة وخمسين عامًا فقط في الرسالة، ولكن كان عمره حوالي ألف وسبعمائة عام، هكذا كان النبيّ نوح. وكان عمر لقمان أكثر من ألف سنة. وسلمان الفارسي هذا نقل حول عمره من ثلاثمائة وعشرين سنة إلى مائة وثمانين. أكثر من مائة وثمانين سنة، يبدو أنّها مائتين وعشرين، وقد وصل إلى النبيّ في أواخر حياته، وانتقل إلى رحمة الله في خلافة عمر. ناداه عمر فقال: أريد أن أعطيك حكومة إيران أتقبل؟ قال: إن كان مولاي يسمح أقبل، وإلاّ فأنا لا أعتني بكلامك كما تعلم. بكلّ سهولة. قال: اذهب واستجز مولاك عليًّا. فجاء فقال له الإمام: اذهب اذهب إليه ـ فقد كان هؤلاء بسهولة، بكلّ سهولة، ولمّا ذهب إلى الحكومة هناك، هل ذهب برفقة الوفود والصخب والضجيج وآلاف الناس من حوله؟! كان قد ركب حمارًا، وحمل خشبة على كتفه، حمل كيسًا من الخبز اليابس مثل السيّد الحدّاد على كتفه، فقد كان هذا حاكم المدائن، نعم هذا أيضًا كان حاكمًا. فجاء وكان الناس قد اجتمعوا هناك لاستقباله، فالوالي آتٍ إلينا، فلنجمع الناس لتزداد الأبّهة والعظمة، فلنجمعهم، فاجتمعوا فرأوا أنّه لم يأت. ولم يكن في ذلك الزمان فاكس وهاتف وتلفاز، وماذا يدري الناس؟! كان الإنسان يأتي بنفسه على البغل والحمار أو الخيل كلّ بحسب ما يملك.
- سورة العنكبوت، الآية ۱٤.
