
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن أتعس الناس، ثمّ انتقل إلى الحديث عن أحد أهمّ أسباب المباهاة (أي الغفلة)، وتقسيمها إلى بسيطة ومركّبة، مستعرضًا نموذجًا عنها من واقعة عاشوراء، ليُبيّن بعد ذلك خطر الغفلة المركّبة على مصير الإنسان، وإمكانيّة سقوط الجميع فيها، ثمّ يُشير إلى أنّ اعتقاد الإنسان بمالكيّة الله تعالى لكلّ شيء، وجهل الإنسان بأحوال الآخرين وخصائصهم، واهتمامه بنفسه وأداء تكليفه.. كلّ ذلك سيمنعه من مباهاة الناس والافتخار عليهم.
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
8ـ إن لم تخضع، سنقتلك.
ـ تعالوا، واقتلوني.. تفضّلوا، بل سأمضي أنا بنفسي قُدُمًا، ولا تحتاجون للمجيء بأنفسكم لكي تقتلوني.
ـ سنُعدمك.
ـ تعالوا، واعدموني.
ولهذا، لم يمتلك عمر بن سعد أيّ دليل على فعله؛ وحينما بُهت، وأَقفلَ استدلالُ الإمام جميعَ الطرق أمامه، قال: سأُحرم من حكم الريّ!
خطر الغفلة المركّبة على مصير الإنسان
وفي هذه الحالة، هل بوسعنا القول: إنّه غافل بسيط؟ مع أنّه يُقال عنه إنّه غافل؛ فهذا الرجل مصداق أيّ شيء؟ مصداق: {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا}؛ فالمراد من حكم الريّ حكم طهران؛ لأنّ طهران كانت في ذلك الوقت عبارة عن قرية؛ في حين أنّ الريّ ـ أي ريّ حضرة عبد العظيم ـ كانت هي الحاضرة، حيث كانت في ذلك الزمان كبيرة وواسعة جدًّا، ثمّ تهدّم قسم كبير منها مع مرور الأيّام، وبسبب الأحداث التي وقعت؛ فانغمرت الكثير من الدور تحت التراب؛ وقد استخرجوا بعض البنايات المرتبطة بذلك العصر أثناء عمليّات الحفر التي يقومون بها؛ فكانت الريّ واسعة جدًّا في مقابل طهران التي كانت عبارة عن قرية؛ ولا يخفى أنّ ولاية الريّ كانت تشمل مدينة الريّ وقمّ وساوة وبقيّة المدن الموجودة في تلك المنطقة، حيث كانت تُعدّ ولاية كبيرة في تلك الأيّام. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ فيبقى مجرّد ظاهر من الحياة الدنيا؛ فهو يقول: «أنا أريد أن أعيش هذه الحياة لأجل السلطة والحكم»؛ وهذا الذي يُقال له ظاهر الحياة الدنيا؛ {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}؛ لكن، ماذا عن الأيّام التي ستتلو هذين اليومين أيّها التعيس؟ هل فكّرت فيها؟ وهل عملت حساب المرض الذي سينتابك لاحقًا؟ وهل فكّرت في مرض السرطان الذي قد يأتيك؟ وهل خطّطت للحوادث التي ستقع لك مستقبلاً؟ {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}؛ وفي هذه الحالة، نجد ابن زياد لم يمنحه حتّى ظاهر هذه الحياة الدنيا الذي لا يُساوي فقاعة فوق الماء! فحينما أتى عنده، وطالبه بحكم الريّ، قال له: «متى وعدتُّك بذلك؟»، فقال له: «هذا هو العهد»، فأخذه منه ومزّقه، وقال له: «اذهب الآن لتحكم الريّ!!»، حيث كان الإمام سلام الله عليه قد قال له: «أرجو ألاّ تتمكّن من حكم الريّ». قال عمر بن سعد لابن زياد: «هذا هو العهد، وقد كتبتَه بنفسك»، فقال له: «أين؟ ومتى كتبته؟»، قال له: «هذا هو»؛ فما إن أراد أن يُسلّمه له، حتّى أخذه، ومزّقه، ثمّ قال له: «اذهب الآن»؛ تفضّل! {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا}؛ فعلمُهم مقتصر على مجموعة من الظواهر والتخيّلات والاعتبارت؛ لكنّهم {عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}؛ أي أنّهم غافلون عن ما وراء الستار، وما يقع خلف هذه المسائل، وعن مسألة أنّك حينما تُقدم الآن على هذه الجريمة، هل تعلم ما هي الأمور التي توقع فيها نفسك؟ إنّه غافل، لكنّها ليست الغفلة التي تحدث لطفل صغير؛ إذ لا إشكال في هكذا غفلة، ولن يذمّه أيّ أحد عليها، بل قد يقع الذمّ على الكبار، ويُقال لهم: لماذا لم تُمسكوا بيده، وتُرشدونه؟ فلن يذمّه في هذه الحالة أيّ أحد.
