
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن أتعس الناس، ثمّ انتقل إلى الحديث عن أحد أهمّ أسباب المباهاة (أي الغفلة)، وتقسيمها إلى بسيطة ومركّبة، مستعرضًا نموذجًا عنها من واقعة عاشوراء، ليُبيّن بعد ذلك خطر الغفلة المركّبة على مصير الإنسان، وإمكانيّة سقوط الجميع فيها، ثمّ يُشير إلى أنّ اعتقاد الإنسان بمالكيّة الله تعالى لكلّ شيء، وجهل الإنسان بأحوال الآخرين وخصائصهم، واهتمامه بنفسه وأداء تكليفه.. كلّ ذلك سيمنعه من مباهاة الناس والافتخار عليهم.
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
3وأمّا الطائفة التعيسة والشقيّة التي خسرت الدنيا والآخرة، فهي التي تضمّ أناسًا يمضون أعمارهم في عالم التخيّلات والاعتبارات، ظنًّا منهم أنّهم يقومون بأعمال صالحة؛ فيُصلّون، ويصومون، ويُؤسّسون المواكب الحسينيّة، ويعقدون المجالس، ويتصوّرون بنحوٍ ما أنّهم يخدمون الناس، ويُساعدونهم، ويحلّون مشاكلهم، ويخطون خطوة في طريق خدمة الإسلام؛ في حين أنّ كافّة أعمالهم وتصرّفاتهم منغمسة في النفس، ومتخبّطة في سبل الشيطان؛ فالشيطان لا يسعى إلى غواية الإنسان بواسطة النبيذ والخمر وأمثال ذلك فقط، بل له طرق أكثر دقّة وأكبر خطورة وأعظم دهاءً؛ فيأتي، ويسلب من الإنسان عمره؛ وحين حلول الموت، يضحك ويُقهقه في وجهه، ويقول: «يُمكنك الرحيل الآن، فقد أنجزتُ مهمّتي!»؛ لقد قضيتَ هذا العمر الذي وهبك الله تعالى إيّاه في الباطل والخيال، من دون أن تقطف منه أيّة ثمرة؛ وعليك الآن أن تنتقل من هذه النقطة إلى نقطة أخرى حاملاً حقيبة مملوّة بأنواع من الأنانيّة والفرعونيّة والانغمار في الشهوات الشيطانيّة والنفسانيّة؛ في حين أنّك لا تملك أيّ شيء في صفحتك الوجوديّة وفي ملفّ أعمالك لكي تُقدّمه؛ فهكذا إنسان يكون أتعس من الجميع.
وهذا هو معنى {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً}؛ أي أولئك الذين يؤدّون أعمالاً تكون قيّمة جدًّا في أعين الأناس الظاهريّين، ويكون ظاهرها حسنٌ في نظر الأفراد العاطفيّين؛ فيتحرّكون، ويذهبون إلى هنا، ويستيقظون في الصباح باكرًا، وينامون في الليل متأخّرين، ويمضون يومهم من الصباح إلى المساء في السعي هنا وهناك؛ في حين أنّهم لا يقتربون من حقيقة سيّد الشهداء، ولو بمقدار ذرّة واحدة، ولا يدنون من ذلك الحريم ولو بمقدار رأس إبرة؛ فهؤلاء أتعس من الجميع.
لقد عرضنا على الأحبّاء مجموعة من المسائل بخصوص هذا الموضوع؛ وما أكثر الأمور التي يُقيّمونها بشكل أفضل منّا، وذلك باعتبار الخبرة التي اكتسبوها في مجالاتهم الشخصيّة والمهنيّة؛ كما سعينا بدورنا نحن لاستعراض بعض المسائل في هذا المجال ضمن نطاق تفكيرنا وتصوّرنا وقابليّتنا، وسنعمل اليوم إلى لملمة البحث، وإنهاء هذا الموضوع، لكي نصل إن شاء الله تعالى إلى بقيّة الفقرات في الجلسة اللاحقة إذا وفّقنا الباري عزّ وجلّ.
