
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن أتعس الناس، ثمّ انتقل إلى الحديث عن أحد أهمّ أسباب المباهاة (أي الغفلة)، وتقسيمها إلى بسيطة ومركّبة، مستعرضًا نموذجًا عنها من واقعة عاشوراء، ليُبيّن بعد ذلك خطر الغفلة المركّبة على مصير الإنسان، وإمكانيّة سقوط الجميع فيها، ثمّ يُشير إلى أنّ اعتقاد الإنسان بمالكيّة الله تعالى لكلّ شيء، وجهل الإنسان بأحوال الآخرين وخصائصهم، واهتمامه بنفسه وأداء تكليفه.. كلّ ذلك سيمنعه من مباهاة الناس والافتخار عليهم.
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
16وعلى حدّ قول المرحوم السيّد الحدّاد: ما إن يرى الإنسان أنّ هذه الوساوس بدأت تحلّ، حتّى يتعيّن عليه أن يقطعها، فيفتح مباشرةً كتابًا، ويبدأ في قراءته، أو يفتح مباشرةً القرآن، ويشرع في تلاوته؛ فيقطع في الحال ذلك الحديث؛ ولا يخفى أنّ الحذّاق يعلمون كيف يقلبون الطاولة على الشيطان، بحيث يرحل من دون رجعة؛ وأمّا الذين لا قدرة لهم على ذلك، فيتوجّب عليهم أن يشغلوا أنفسهم فورًا، وينهمكوا مباشرة في أداء أعمال أخرى، ولا يفسحوا المجال لحلول هذه الخواطر؛ لماذا؟ لأنّ جميع هذه المسائل تتعارض مع مسألة التوحيد وقضيّة العبوديّة، حيث تأتي، وتُمسك تدريجيًّا وبكلّ هدوء وسكينة بتلك الحقيقة؛ فينظر الإنسان في نفسه، فلا يجد أيّ شيء، وقد صار كلّه دمار!
فحينما نكون معتقدين أنّ التوفيق من الله تعالى، أ لن يُعدّ التصرّف في ثروة صاحب الثروة، ونسبة هذه الثروة إلينا خيانةً؟! وعندما يكون الله تعالى هو الذي منحنا هذا التوفيق، فصرنا نتوفّر على هذا الحال وهذه المكانة وهذه الخصائص، أ لن يُعدّ التفاخر بذلك على الناس ومباهاتهم به خيانةً؟! فمباهاة الآخرين تعني النسبة إلى النفس؛ في حين أنّ الله تعالى هو الذي وفّقك، وكان بوسعه أن يذهب بك إلى مجلس آخر بدلاً عن هذا المجلس؛ وإلاّ، أ فلم يذهب بالبعض؟! وألا يوجد من يذهب إلى مجالس أخرى؟! فعوضًا عن هذه الليالي العشر التي تحدّثت فيها هنا، كان يقدر على أن يذهب بك إلى موضع آخر، فتتحدّث هناك، وتقوم بأشياء أخرى؛ ومن هنا، عليك أن تُرجع هذه الثروة التي وُهبت لك بتوفيق من الله تعالى إلى صاحبها، وتنسبها إليه؛ وحينئذ، هل سيبقى لك أيّ مجال للمباهاة؟ فلأيّ شيء ستسعى للمباهاة؟ إنّ صاحب الملك هو غيرك، فهل تُريد أن تتصدّق من كيس غيرك؟ ولا يخفى أنّنا بيّنا هذه المسألة سابقًا؛ ولهذا، فإنّنا لن نتقدّم أكثر في الحديث عنها.
جهلنا بأحوال الغير وخصائصهم يمنعنا من مباهاتهم
والمسألة الثانية التي علينا أن نلتفت إليها هنا هي: من هذا الذي نُريد مباهاته؟ واعتمادًا على أيّ ملاك نلجأ للمباهاة؟ وبالاتّكاء على أيّ معيار نريد أن نفتخر؟ أ وهل نحن مطّلعون على أحوال الغير؟! أ وهل نحن عالمون بخصائصه النفسانيّة، حتّى نظنّ أنّنا أعلى منه؟! ومن أدرانا بما يحصل في نفسه الآن؟ فلعلّه أعلى منّا، بل وما أكثر الناس الذين هم بهذا النحو؛ ففي زمان المرحوم العلاّمة، كان العديد يقولون: «نحن أقرب إلى العلاّمة من الجميع، ونحن مودع سرّه، ونحن مطّلعون على علومه، ونحن عيبة أسراره، وهو يُخبرنا بتلك العلوم التي لا يُخبر بها أيّ أحد»؛ لكنّهم مخطؤون إلى حدّ كبير؛ وبالمناسبة، فإنّهم ليسوا بمودع أسرار، ولا عيبة علوم، ولا أقرب من أيّ أحد، بل إنّ الذي يتفوّه بمثل هذا الكلام يكون أبعد من الجميع، من دون شكّ أو ريب.
