
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن أتعس الناس، ثمّ انتقل إلى الحديث عن أحد أهمّ أسباب المباهاة (أي الغفلة)، وتقسيمها إلى بسيطة ومركّبة، مستعرضًا نموذجًا عنها من واقعة عاشوراء، ليُبيّن بعد ذلك خطر الغفلة المركّبة على مصير الإنسان، وإمكانيّة سقوط الجميع فيها، ثمّ يُشير إلى أنّ اعتقاد الإنسان بمالكيّة الله تعالى لكلّ شيء، وجهل الإنسان بأحوال الآخرين وخصائصهم، واهتمامه بنفسه وأداء تكليفه.. كلّ ذلك سيمنعه من مباهاة الناس والافتخار عليهم.
منشأ المباهاة وطريقة علاجها
14ولا يخفى أنّ الوصول إلى كنه هذه المسألة ـ كما أشرنا سابقًا أيضًا ـ خارج عن اختيار الإنسان، وينبغي أن يكون هناك أحدٌ ينظر إلى هذا الإنسان من مقام علويّ، حتّى يتسنّى له تقييمها؛ لكن، بوسع الإنسان أن يُدرك ـ بقدر معلوماته وقابليّته ـ مستوى تقدّمه أو تأخّره، وكم أُضيفت تلك القضايا والمسائل إلى نفسه، أو نقصت منها، ودرجة مرونته وسلاسته تجاه الأحداث، أو خشونته وتصلّبه حيالها، بحيث لا يتمكّن من تجاوزها؛ فهذا ممّا يستطيع الإنسان فهمه بنفسه؛ وهذه هي حقيقة السلوك، كما أنّ أوّل طريق هذا السلوك وآخره ووسطه يكمن في مسألة أنّ الإنسان عليه أن يعلم في كلّ عمل يقوم به مقدار اقترابه من العبوديّة، ودرجة لمسه لحقيقتها؛ فهذه هي حقيقة العبوديّة والسلوك.
ومن هنا، إذا انهمك الإنسان في الامتثال للأوامر والاحتراز عن النواهي، هل سيبقى له أيّ مجال للتفاخر على الآخرين؟ فهذا سيكون متعارضًا تمامًا مع الطريق والمسير؛ كأن يقول مثلاً: «لقد قمت بالعمل الكذائيّ، فما الذي قام به فلان؟ لقد تحدّثت على المنبر طيلة عشرة أيّام، فانظروا كم كان كلامي جميلاً! ولاحظوا كيف بيّنت المسائل بنحو جيّد! وكم نال حديثي استحسان الناس وإعجابهم! لقد كانت محاضراتي هذه السنة أفضل من السنة الفائتة! وانظروا إلى ما قاله فلان في الموضع الكذائيّ!»، ثمّ يسعى إلى عقد مقارنة بين كلام هذا الشخص وكلامه هو، ثمّ يقول: «لا، لقد تحدّثت بشكل أفضل، وكان لكلامي وقعٌ أكبر، وكانت المسائل التي طرحتها أحسن»؛ ماذا؟! لن يكون لك أيّ مجال لهذه الأمور؛ فإن كنت تريد الحديث لأجل الإمام الحسين، فعن أيّ شيء تبحث هنا؟ هذا سيّء، ذاك سيّء، هذا جيّد، ذاك أجود، هذا أعلى، ذاك أدنى؛ فعن ماذا تبحث هنا؟ هذه السنة أفضل، السنة الفارطة أفضل، السنة القادمة ستكون أحسن، سأسعى في السنة الآتية لكي أضيف المسائل الكذائيّة، وسأعمل في ذلك اليوم على زيادة هذا البحث، وسأعمد في ذلك المجلس إلى الحديث عن الموضوع الكذائيّ، وإذا تحدّثتُ بهذا الأسلوب، فإنّ المجلس سيبدو أفضل؛ فما حقيقة كلّ هذه الأمور يا عزيزي؟ إنّها بأجمعها من الشيطان الذي يسعى إلى التسلّل من هذا الطريق؛ فإن سنحت الفرصة للكلام، ووفّق الله تعالى الإنسانَ لذكر كلمتين في مجلس سيّد الشهداء، فليذكرهما، وانتهى الأمر، ثمّ ليذهب إلى حال سبيله، والسلام!
