
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
الوصف:
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
6وبعد ما مرّ أسبوع على ذلك، واستعاد الطالب نشاطه، وتعافى بشكل كامل، قال [المرحوم الشيخ البهاريّ]: «لقد آن الأوان!»، فجاء عنده في الصباح بعنوان أنّه يُريد تفقّد أحواله، وأحضر معه كتاب مثنويّ، والذي كانت له حكاية خاصّة في ذلك الزمان؛ إذ يكفي أن يُرى الإنسان حاملاً هذا الكتاب خصوصًا، لكي ينتهي أمره ويُغلق ملفّه، ويسقط من درجة الوجود تمامًا؛ أجل، فقد كانت له حكاية خاصّة، وإذا وفّقنا الله، سنتحدّث إن شاء تعالى عن هذه المسائل لاحقًا؛ هذا، ناهيك عن أن يسعى الإنسان لقراءة المثنويّ، حيث كانوا يُمسكونه بالملقط، وتلك الأدوات المستخدمة لنقل الفحم والنار وأمثال ذلك، ويضعونه في مكان، لئلاّ تصطدم أيديهم به؛ إذ لن يتسنّى لهم في هذه الحالة استخدام هذه الأيدي إلى الأبد، لأنّها ستتنجّس نجاسةً ذاتيّة لا يُمكن تطهيرها بحوض من الماء؛ والله وحده يعلم بحال هذه النجاسة!! وعلى أيّ تقدير، نعوذ بالله تعالى من الجهل والخرق والغباء؛ بمعنى: انظروا إلى المستوى الذي يصل إليه الإنسان، بحيث يتعامل بهذه الطريقة مع هذا الكتاب القيّم الذي يُعتبر ـ بحقّ ـ من الكتب النادرة في مجال المعارف الشيعيّة!
كانت أحوال الشيخ محمد جيّدة، فقد كان في أوّل الصباح، ويشعر بالانتعاش، كما أنّه قرأ أذكاره، ولا بدّ أنّ ذلك الوقت كان بين الطلوعين، والأجواء هي أجواء النجف في جوار أمير المؤمنين، والفصل كان ربيعًا؛ ولهذ، فإنّ نشاطه كان مضاعفًا، فجاء عند ذلك الطالب، وفتح كتاب مثنويّ، وبدأ يقرأ:
بشنو از نى چون حكايت مىكند
[يقول: استمع إلى الناي حينما يحكي]
فمنذ أن بدأ بالقراءة... مع أنّ صوته كان جميلاً جدًّا ومرتفعًا:
بشنو از نى چون حكايت مىكند *** وزجدايىها شكايت مىكند از نيستان تا مرا ببريده اند *** وز نفيرم مرد وزن ناليده اند [يقول: استمع إلى الناي حينما يشرع في الحكاية *** ومن الفراق يمضي في الشكاية
منذ أن كان من الغاب اقتلاعي *** ضجّ الرجال والنساء من صوت التياعي]
فلو ألّفتم كتابًا في شرح هذين البيتين، لكان قليلاً؛ فشرع في القراءة، وقال الطلبة: ما هذا؟ يا للعجب! إنّنا نسمع صوتًا غريبًا يقول: استمع إلى الناي حينما... ؛ من هذا المنحوس المرتدّ عن الدين والدنيا الذي يقرأ هذا الشعر؟! فخرج أحدهم من غرفته، وطلّ آخر من شُرفته، وبدؤوا يقولون: من أين يأتي هذا الصوت؟ فلنذهب ونخنقه، ونعدمه، ونضربه، ونسحقه، ونحطّمه؛ فجاؤوا، ورأوا أنّ الصوت يأتي ـ ويا للعجب ـ من غرفة ذلك المريض التعيس! فما إن جاء الطلبة إلى تحت، لكي يروا ما الخبر، وفتحوا باب الغرفة، حتّى وضع الشيخ البهاريّ كتاب مثنويّ أمام ذلك الطالب، وجلس، وقال له: «ماذا أيّها السيّد؟! ما الذي تفعله؟! ألا تخجل؟ هل تقرأ المثنويّ؟!»، فبدأ يقول مع البقيّة: «لقد نجوت بنفسك للتوّ، وتماثلت للشفاء قريبًا، من المؤسف أنّ عزرائيل لم يأت لقبض روحك، أ فهل هذا هو شكرك على تعافيك؟! أ فهل تقرأ مثنويّ في النجف؟! أتمنّى لو أنّ الله تعالى توفّاك في مرضك! أ فهل هذا هو جزاء كلّ المجهود الذي بذلته لأجلك؟! أخبرني: ألم أعتن بك طيلة ثلاثة أسابيع؟! فبقي ذلك المسكين مذهولاً، ويتساءل مع نفسه: ما الخبر؟! فالتفت الشيخ البهاريّ إليهم، وقال: «اذهبوا أنتم الآن، وسأعمد إلى تأديبه، وتربيته، اذهبوا أنتم، وسأعرف ما الذي أفعله له؛ أ فهل هذا هو جزاء إحساني إليه؟! حسنًا، سأقوم بتأديبه!»؛ وخلاصة القول أنّه عمد إلى إرجاعهم، ثمّ قال له: «في أمان الله»، وذهب؛ ومنذ ذلك الحين، متى ما التقى به ذلك الطالب، لم يعُد يخجل منه؛ ولهذا، فقد كان المرحوم الشيخ البهاريّ يُريد أن يُخلّصه من ذلك الشعور، ولا يظلّ يعيش حالة الخجل من تلك الأسابيع الثلاث التي قضاها في العلاج والعناية وأمثال ذلك. إنّ هذا العمل يتطلّب حذاقة كبيرة، لكن، ليس كلّ أحد يستطيع القيام به؛ أي أنّه يستدعي وجود فهم ودراية، لكي يعلم الإنسان المقدار الذي ينبغي عليه استعماله، وفي أيّ موضع، وما هي الطريقة المناسبة لكلّ واحد؛ وهذا عمل لا يُتاح لكلّ أحد.
