
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
الوصف:
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
19ـ إلهي!
ـ لماذا قلت ذلك؟
فأمضى دورة أربعينيّة، وحصلت له بعض المسائل، وتغيّر رأيه، فقال له الله تعالى: أجل، تفضّل الآن، فبعدما صَفَت الأمور، وصرتَ صفرًا، وصفّيت حساباتك، يحقّ لك أن تتلقّى الوحي، وأصبح بوسعك الآن أن تُجيب ذاك؛ فهذه هي حقيقة التوحيد؛ وحينئذ، أين يُمكنكم أن تعثروا على هذا الأمر؟ وفي أيّة مدرسة تُلحظ هذه المسألة؟
لقد جاء المرحوم العلاّمة لكي يطرح هذه المسألة، ويعرض هذه المدرسة، ويبيّن هذه القضيّة للجميع، وأنّه لا فرق في الأمر، سواءً بالنسبة للنبيّ، أو بالنسبة لنا نحن؛ فحينما نذهب إلى مكّة، من الذي أتانا بنا إلى هناك؟ الله هو الذي أتى بنا؛ وحينئذ، هل سيُمكننا مطالبته تعالى بأيّ شيء؟ لا، فأنا يا إلهي لا أملك أيّ مطلب، بل أنت الذي مننت عليّ ألف مرّة، ووفّقتني للمجيء إلى هذا المكان الذي جاء إليه أنبياؤك والأئمّة، لكي أعرض عليك مسكنتي، وليس لكي آخذ منك [مقابلاً]، وأصرّ عليك لكي تُعطيني في مقابل مجيئي إلى هنا. لاحظوا معي، فإنّ الإمام السجّاد ذهب بدوره إلى مكّة؛ لكن، هل ذهابه إلى هناك من المدينة حافيًا لمسافة تسعين فرسخًا يستوي مع ذهابنا نحن ممتطين طائرة، لكي نصل بعد ساعتين؟! لقد ذهب الإمام عليه السلام بتلك الطريقة، غير أنّه ماذا قال بعد ذلك؟ يقول الأصمعيّ: سمعت في جوف الليل رجلاً متمسّكًا بأستار الكعبة، وهو يُردّد هذه الأشعار: إلهِي عَبْدُكَ العاصِي أَتاك.. فهو يريد أن يقول: «أنت الذي مننت على عبدك العاصي، وأتيت به إلى هنا»، لا أن يقول: «لقد قطعت كلّ هذا الطريق إلى هنا»؛ إلهِي عَبْدُكَ العاصِي أَتاك مُقِرًّا بِالذُنُوب فَقد دَعاكَ؛ أي: أنّه يسعى للإقرار بذنوبه؛ وهذه المدرسة هي مدرسة التوحيد.
فالإمام السجّاد عليه السلام يُعلّمنا الطريق، ويُرشدنا إلى سبيل الوصول إلى الله تعالى، ويُبيّن لنا مسار الحركة، ويقول لنا: عليك أن تمشي بهذه الطريقة، ولا تقنع بالمسائل الدنيا، ولا تلتفت إلى تخيّلات الآخرين واعتباراتهم وتوهّماتهم؛ ثمّ يقول: «وَإن تَغفَر فأنتَ أهل لذاكَ».. انظروا كم هو جميل هذا الكلام الذي يُردّده الإمام «وإن تَطرد فَمَن يرحَم سِوَاكَ»! فهكذا تكون مدرسة التوحيد؛ وهي المدرسة التي لا تدع أيّ شيء للعبد، ولا تترك له أيّ شيء لكي يعرضه، حيث نجده عليه السلام قد قطع كلّ ذلك الطريق، ودخلت أشواك شجرة أم غيلان في رجله، وتحمّل القرّ والحرّ؛ وحينما وصل، هل كان وصوله بتوقّع؟ لا! فهو يقول: إلهي، أنا لم أفعل أيّ شيء، وحتّى مجيئي إلى هنا كان بمنّة منك، وأنا لا أريد أيّ شيء منك، والسلام؛ «وإن تَطرد فَمَن يرحَم سِوَاكَ»؛ فهذه المدرسة هي التي تُسمّى بمدرسة التوحيد.
