
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
الوصف:
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
15لكن، في المقابل، يقول أحدهم: ذهبنا من النجف إلى كربلاء للقاء المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه، وكان الوقت ليلاً، وجميع المحلاّت مغلقة، وكانت البطون جائعة جدًّا، فقال أحدهم: «لنذهب إلى المحلّ الفلانيّ، لكي نرى هل لا يزال مفتوحًا»، فقال [السيّد الحدّاد]: «أيّها السادة، تعالوا بنا نذهب إلى المنزل، ونأكل ما نجده هناك، وسيوصل الله إلينا إن شاء تعالى رزقنا»؛ فقال: وصلنا إلى المنزل، وكان عددنا يبلغ سبعة أو ثمانية أشخاص، فذهب هو ليأتي بالطعام، لكن، مهما بحث، لم يجد شيئًا، إلى أن عثر في نهاية المطاف على علبة يضع فيها عادةً الخبز اليابس لكي يُسلّمه إلى الباعة المتجوّلين الذين يأخذونه؛ فجاء بذلك الخبز، وأحضر إلى المائدة قدحًا مملوًّا بالماء، ثمّ وضع فيه الخبز، وقال: «بسم الله»؛ فأكلنا منه جميعًا، ولا زال طعمه لم يذهب من فمي إلى الآن. هل هذا واضح؟! فهذا الذي يُسمّى بالموحّد، فهو لم يقم من مكانه، ويذهب إلى الخارج، لكي يأتي باللحم المشويّ، ويقول: «تفضّلوا»، فيقولوا: «ما أعجب هذا العمل الذي قام به!». فالتوحيد يقول: عليك أن تُحضر ما هو موجود في البيت؛ سواءً كان خبزًا يابسًا، أو لحمًا مشويًّا؛ ولهذا، لا ينبغي عليك أن تُحضر خبزًا يابسًا إن كان يوجد بالبيت لحم مشويّ؛ أجل، إذا لم يوجد اللحم المشويّ، عليك أن تأتي بالخبز اليابس؛ ففي مدرسة التوحيد، توجد حقيقة واحدة وطريق واحد، ولا وجود لهكذا ألاعيب؛ فهذه بأجمعها التذاذات للنفس؛ أي: من الممكن أن يمرض الإنسان، أو يموت ولده، فيقول: «حتّى لو مات هذا الطفل، فإنّني سأصبر، غير أنّني سأحول دون موت ابن جاري الفلانيّ»، لكن، سيُعدّ هذا أيضًا من التذاذات النفس؛ فهي قادرة على أداء هذه الأفعال، ولا تتوهّموا أنّ ذلك راجع إلى علوّ المقام والدرجة؛ وإلاّ، أ فلم يلجأ عمر بنفسه إلى جلد ابنه أمام الجميع بسبب مخالفته له، وذلك لكي يُقال: إنّ عمر عادل؟! ونحن نرى أهل السنّة الآن يعتبرون هذا العمل في كتبهم من مفاخر عمر، ويقولون: «انظروا كيف أنّه لا يُفرّق بين الناس في تطبيق العدالة»؛ وقد كان كذلك بالفعل، لكن، نفس عمر هذا، حينما أتى ذاك اليهوديّ، وسأله، فعجز عن جوابه، فقال له اليهوديّ: «لماذا لا تُرجع الخلافة إلى عليّ باعتباره أهلاً لها؟»، فإنّه قال: اضربوه، أخرجوه، وإذا تفوّهت بمثل هذا الكلام مرّة أخرى، فإنّنا سنغتالك! وحينئذ، هل هذه هي العدالة، أم تلك؟! فهو غير مستعدّ لإرجاع الحقّ إلى عليّ، ولو لثانية واحدة؛ ولهذا، فإنّ جميع تلك الأفعال كذب وخداع واحتيال، والهدف منها تصديق نفسه وتقويتها، وليس تطبيق العدالة، وإلاّ، فإنّ أوّل خطوة لتطبيق هذه العدالة هو إعادة الحقّ إلى عليّ؛ فإن قلت بنفسك سبعين مرّة وباعتراف علماء أهل السنّة: «لولا عليّ لهلك عمر»۱، فلماذا لا تُعطي الحقّ لعليّ؟ وإن قلت سبعين مرّة: «لَا أبْقَانِي اللهُ بَعْدَك يا عَلِي»٢، فلماذا لا تُعطيه الحقّ؟ ومن هنا، يتّضح أنّ كافّة تلك الأعمال خداع واحتيال، وأنّك تتفوّه بهكذا عبارات حتّى لا تتخلّف عن الركب.
- أورده أبو داود في سننه بعدّة طرق، ج ٢، ص ٢٢۷؛ نقلاً عن بحار الأنوار، ج ٣۰، ص ٦۸۰.
- المناقب، ج ۱، ص ٤٩٢؛ نقلاً عن معرفة الإمام، ج ۱۱، ص ٢٩۱.
