
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
الوصف:
ما هي مراتب المباهاة؟ وهل يجوز التحرّز عن أداء العبادات خشية الوقوع في الرياء؟ هل كان يتعامل الأولياء مع الناس بطريقة تسلب منهم الحرّية؟ إلى من تُنسب الأشياء في مدرسة التوحيد؟ كيف تتعاطى بقيّة المدارس مع الأمور المعنويّة؟ ما هو الهدف الوحيد الذي تصبو إليه مدرسة التوحيد؟ لماذا لا يُمكن للموحّد أن يُباهي نفسه بأعماله؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»؛ في ضمن حديثه عن حكايات ومسائل أخرى.
مراتب المباهاة على ضوء مدرسة التوحيد
13إنّ هذا العالم هو بنحوٍ يستطيع كلّ واحد فيه التمتّع بهذه المائدة وفقًا لسعته الوجوديّة؛ فكلّما كانت همّته أعلى، كانت استفادته أكبر؛ فنجد بعض هؤلاء قد تحمّلوا العديد من الرياضات؛ نظير المرتاضين الذين ألزموا أنفسهم ببعض الرياضات العجيبة والغريبة طيلة سنوات متمادية، حيث طالعت سيرة أحدهم في موضع ما، وحتّى أنّهم وضعوا صورته هناك، فكتبوا عنه أنّه عاش فوق شجرة كانت موجودة هناك لمدّة عشر سنوات من دون أن ينزل منها.. أ فهل أنت عصفور يا عزيزي؟! ما معنى أن يوقع الإنسان نفسه في هذا البلاء، ويعيش فوق شجرة؟ أ فلم يكن لديك أيّ مكان؟! أ فهل طردوك من منزلك؟! أو تجد المرتاض الفلانيّ يدخل إلى غار، ويبقى فيه عدّة سنوات من دون أن يخرج منه؛ مع أنّ الله تعالى خلق كلّ هذه الأراضي! انظروا، فهذا الشخص يُريد الوصول ـ من خلال هذه الحالة التي وضع نفسه فيها ـ إلى مكان معيّن؛ وأنا لا أريد القول إنّه لا يصل، بل يصير قادرًا على القيام بعدد من التصرّفات والتدخّلات في الأشياء، وتحصل له بعض القدرات، لكنّها عبارة عن التذاذات نفسانيّة بأجمعها؛ وعلى حدّ قول المرحوم الحدّاد نقلاً عن المرحوم العلاّمة في كتاب الروح المجرّد، حيث قرأت ذلك للتوّ: إنّ هذه الأمور بأجمعها التذاذات نفسانيّة، فتتقوّى هذه النفس، لا أنّها تفقد قواها وتصير صفرًا في مقابل إرادة الله تعالى ومشيئته؛ فهكذا أمور تُساهم في تضخيم حجم النفس، وليس في تقليل حجمها، لكي تصل إلى مرتبة التسليم، فتصير هادئة ومطمئنّة، ومهما قدّروا لها، فإنّها لا تجد أيّ حرج، وكيفما كان الطريق الذي أخذوها فيه، فإنّها لا تعترض؛ إذ إنّ الحاكم على شؤون الإنسان في مدرسة التوحيد هو الله تعالى، وحسب، من دون الالتفات إلى الطريق الذي يتّخذه مسار الأوضاع؛ وأمّا بقيّة المدارس، فنجد فيها كلّ شيء، ومن كلّ صنف.
في هذه الأيّام، يجري وللأسف تصنيف مجموعة من الكتب التي يُطلق فيها على مثل هؤلاء اسم الموحّد والعارف، في حين أنّه عندما نتصفّح كافّة أوراق هذه الكتب، ونطّلع على خصائصهم، نكتشف أنّهم مبتلون بتلك المسألة؛ أي أنّهم وصلوا إلى بعض المقامات، وحصلوا على بعض القدرات، لكنّها تقع بأجمعها في نطاق الالتذاذ النفسانيّ، وليس التقرّب إلى الله تعالى؛ فتجد أحدهم أتعب نفسه لسنوات مديدة، وخاض في الرياضات الشاقّة، لكي يهبه الله تعالى القدرة على شفاء المرضى؛ بينما ذلك كلّه التذاذ للنفس؛ وفي هذه الحالة، قد يقول في الوقت ذاته: «إنّني صرت بهذا النحو بفضل الله، وبفضله تعالى، حينما أغلق عينيّ، أرى العالم بأجمعه، وبفضله سبحانه، أصبحت أقوم بكلّ عمل أريده»؛ لكن، إن شاء الله تعالى أن يسلب منه ذلك، فما الذي سيحصل؟ أ فلم تكن تدّعي أنّ ذلك بفضل الله؟! هو تعالى بنفسه يقول الآن: «لا أريد»؛ لكن، مع ذلك، فإنّه سيلجأ إلى لعن السماء والأرض، ويقول: «عجيب! هل هذه هي حصيلة الجهد الذي بذلته كلّ هذه السنوات؟! فأين ذهب كلّ التعب الذي عانيته؟!»؛ لكن، أ لم تقل بنفسك: «إنّه بفضل الله»؟! إذن، فلتصدق في قولك، واثبت عليه؛ فإن كان ذلك بفضل الله، فهو تعالى يقول: «أ لست أنا الذي منحتك إيّاه؟ حسنًا، فهل أنا الذي أعطيتك إيّاه، أم تدّعي أنّه من عندك؟»؛ سيقول: «من عندي»، لكنّه يقول ظاهرًا: «من عند الله»؛ فباطنه يقول: «من عندي»، وظاهره يقول: «من عند الله»؛ وحتّى قوله الظاهريّ: «من عند الله»، فإنّ الهدف منه هو إضفاء نكهة على المسألة، وإلاّ، فإنّه يقول بكلّ وجوده: «أنا» الذي أقوم بهذا الفعل، «أنا» الذي أؤدّي هذا العمل؛ فتصير هذه الحالة صنمًا بالنسبة إليه، ومانعًا وشيطانًا.
