
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن مسألة الرياء، والدافع الكامن من ورائها، وكيفيّة حبطها للأعمال، ليُعرّج بعد ذلك على مسألة إظهار بعض الشخصيات بصورة غير واقعيّة، ودور مؤلّفي السير فيها، ثمّ تطرّق إلى ضرورة اشتغال الإنسان بأداء التكاليف من دون الالتفات إلى نتيجة أعماله أو موقف الناس منها، وألاّ يتعدّى اهتمامُه هذه التكاليف، وإلاّ سينقلب عمله إلى مراء ومباهاة، ليختم كلامه في الأخير بالحديث عن أهمّية الإخلاص قبل الشروع في العمل
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
3كيفيّة حبط الرياء للأعمال
ولإماطة اللثام عن هذا الموضوع، لا بدّ من الإشارة بدايةً إلى أنّ للمراء والمباهاة مراتب مختلفة، إحداها التي تحصل مع الناس، وهي هذه المباهاة المصطلحة والمتعارفة؛ وذلك بأن يقوم الإنسان بعمل ما، ويتبجّح به على الناس، حيث تطرّقت الآية القرآنيّة الكريمة إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذَى}۱؛ بمعنى: يا أيّها الذي آمنوا، لا تقضوا على أعمالكم الحسنة، ولا تُبطلوها بواسطة منّكم على الآخرين وإيذاؤكم لهم، فتُصبح هذه الأعمال هباءً منثورًا؛ {كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ}؛ وذلك نظير الذي يُنفق أمواله رياءً أمام الناس، ولأجل السمعة والشهرة بينهم، فيكون هدفه من هذا الإنفاق هو حبّ الظهور وإبراز النفس؛ فما هو مَثل هؤلاء؟ {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً}؛ وهذا تشبيه عجيب جدًّا؛ إذ تقول الآية الشريفة: إنّ مثل هؤلاء كمثل حجر صلب لا يتوفّر على أيّة ميزة؛ فإذا حطّ عليه تراب، فإنّه وقبل أن يستقرّ عليه هذا التراب، تأتي الأمطار، وتغسله بأجمعه، ليبقى ذلك الحجر على صلابته وقسوته؛ {لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا}؛ فلا يُمكنهم المحافظة على ما جنوا، ولا يستطيعون إبقاء تلك الأعمال لأنفسهم.
أي: حينما يقوم الإنسان بعمل ما، فإنّ هذا العمل يكون في حكم مُدّخر، وفي حكم مادّة تأتي، وتستقرّ في قلب الإنسان، حيث يكون العمل بذاته حسنًا؛ فالإنفاق في سبيل الله حسن، وأداء العبادات عمل حسن، وخدمة الناس أمر حسن، وهكذا بالنسبة للإنفاق والصدقة وبرّ الوالدين وصلة الرحم؛ فتقوم كلّ هذه الأعمال بتغليف القلب بمادّة من الرحمة الإلهيّة، ثمّ تزداد هذه المادّة، وتزداد، إلى أن تُصبح الأرضيّة مستعدّة شيئًا فشيئًا لعمليّة التربية؛ لأنّه لا يُمكننا زرع أيّ شيء على الحجر الصلب، بل ينبغي وجود تربة، لكي يتسنّى للإنسان الانتفاع منها؛ لكن، ما إن تحطّ تلك المادّة [وذلك التراب] على قلب الإنسان، حتّى يأتي فجأة ذلك الرياء الذي ارتكبه الإنسان، وتلك المباهاة، وتلك النية التي قصدها في عمله، فيقوم مثل المطر بغسل ذلك التراب بأجمعه، ومحوه، ليبقى الحجر على ما كان عليه، وكأنّ الإنسان لم يؤدّ أيّ عمل؛ فمع أنّه أتعب نفسه، لكنّ تعبه ذهب هباءً منثورًا، ومع أنّه أنفق أمواله، إلاّ أنّ إنفاقه لا يُحسب له، ولو بمقدار فلس واحد، ومع أنّه تقدّم خطوة في الطريق، إلاّ أنّ خطوته لا يُعتدّ بها أبدًا؛ فصار، وكأنّه لم يُسجَّل في كتاب أعماله أيّ شيء، فيقول: إلهي، لقد أدّيت العمل الكذائيّ، فيُقال له: إنّك أدّيته من أجل إبراز نفسك، وقد كان هذا الإبراز هو الثواب الذي حصلت عليه في الدنيا، فما الذي تُريده منّا بعد ذلك؟ لقد قمت بالعمل الفلانيّ لكي تُري الناس أنّك قمت به؛ حسنًا، لقد علم الناس بذلك، وأثنوا عليك، فما الذي تُريده منّا بعد ذلك؟! فهذه المسألة عبارة عن رياء، وإبراز للنفس، ومباهاة للناس في الفعل والعمل.
- سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
