
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن مسألة الرياء، والدافع الكامن من ورائها، وكيفيّة حبطها للأعمال، ليُعرّج بعد ذلك على مسألة إظهار بعض الشخصيات بصورة غير واقعيّة، ودور مؤلّفي السير فيها، ثمّ تطرّق إلى ضرورة اشتغال الإنسان بأداء التكاليف من دون الالتفات إلى نتيجة أعماله أو موقف الناس منها، وألاّ يتعدّى اهتمامُه هذه التكاليف، وإلاّ سينقلب عمله إلى مراء ومباهاة، ليختم كلامه في الأخير بالحديث عن أهمّية الإخلاص قبل الشروع في العمل
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
11لقد كانت هذه هي المسائل التي تحدّثت بها تلك الليلة، غاية الأمر أنّه علينا أن نسير وفق ذلك الطريق والمنهج الذي رسمه المرحوم العلاّمة إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً؛ لكن، صارت تظهر بعض القضايا، وتتقلّب الأمور كثيرًا، حيث شعرت منذ البداية أنّ المسألة بدأت تخرج شيئًا فشيئًا عن مسارها الأساس، وتنحرف عن طريقها الخاصّ، وأنّ العبارات التي كانت تُستخدم قد تتبدّل في المستقبل إلى أزمة وعاصفة وضلال وهلاك؛ وهكذا بالنسبة لبقيّة الكلمات التي كانت تُطلق؛ إذ يأتي أحدهم ويطرح شيئًا، فيقوم آخر بنقله، ويُضيف إليه ثالث كلمتين؛ وهكذا، إلى أن يتحوّل ذلك إلى تيّار ومسألة بحدّ ذاتها. فالعناوين التي توضع للأشخاص لا توجد دفعةً واحدة منذ البداية، بل يأتي أحدهم، ويضع عنوانًا لآخر، ثمّ تقوم مجموعة باتّباع هذا العنوان، فيصير ذلك الشخص متلبّسًا به، حيث إنّ العديد من الموارد قد حصل فيها الأمر ذاته.
فرأيت أنّ جرس الإنذار قد رنّ، وعليّ أن أقف في وجه هذه المسائل؛ إذ إنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه كانت له شخصيّة متميّزة، ويتّسم بصفات خاصّة، وننظر إليه بعنوان الوليّ الكامل الذي سلك طريق الله تعالى، وبلغ مرتبة الفناء، ودرجة البقاء بالله بعد الفناء؛ وقد كنّا نتّبعه على هذا الأساس، وبمقتضى هذه الشخصيّة؛ هذا بغضّ النظر عن عملنا [بأوامره] أو عدم عملنا بها؛ فهذه مسألة أخرى؛ لكن، ما دفعنا للقبول عنه، والثبات والرسوخ والانقياد لهذا المحيط هو هذه الشخصيّة؛ لكن، رأيت ويا للعجب أنّ شخصيّة أخرى أصبحت تأخذ مكانه، وتقف في مقابله؛ وهذا لم يكن أمرًا مقبولاً بالنسبة إليّ؛ فلم أكن أرضى بتاتًا أن تُتجاهل تلك الخصائص، ويُتغاضى النظر بشكل تامّ عن تلك الشخصيّة، ويُغضّ الطرف عن تلك العظمة العلميّة، ولا تُؤخذ بعين الاعتبار تلك السعة الوجوديّة وذلك الاطّلاع على الأمور والمصالح والمضارّ والمنافع والإشراف على النفس وكافّة صفاتها، ويُقتصر على مجرّد بعض العبارات والمسائل، زيادة على بعض المنامات والتخيّلات وأمثال ذلك، لتتعرّض المسألة للدسّ والتزييف؛ وبعبارة أخرى: تمنح تلك الشخصيّة الحقيقيّة مكانها لشخصيّة مجازيّة؛ وهنا نهضت للوقوف بوجه هذا التيّار، وقمت بكلّ ما أستطيع فعله في هذا المجال.
