
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن مسألة الرياء، والدافع الكامن من ورائها، وكيفيّة حبطها للأعمال، ليُعرّج بعد ذلك على مسألة إظهار بعض الشخصيات بصورة غير واقعيّة، ودور مؤلّفي السير فيها، ثمّ تطرّق إلى ضرورة اشتغال الإنسان بأداء التكاليف من دون الالتفات إلى نتيجة أعماله أو موقف الناس منها، وألاّ يتعدّى اهتمامُه هذه التكاليف، وإلاّ سينقلب عمله إلى مراء ومباهاة، ليختم كلامه في الأخير بالحديث عن أهمّية الإخلاص قبل الشروع في العمل
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
7هل يجوز لمتحدّث ومؤرّخ وفرد يُريد أن يصنع شخصيّة للمجتمع والناس ولمخاطبيه أن يخونهم؟! وأن يمنح الوجود لغير الموجود، ويُعدم ما هو موجود؟! هذه خيانة! فإذا كنت أتوفّر على شيم خاصّة، وأفكار معيّنة، وشمائل وصفات محدّدة، فإنّ هذه الصفات تكون ـ بطبيعة الحال ـ معجونة بالمحاسن والمساوئ، ومخلوطة بما يستحقّ الثناء، ويوجب البعد والفراق؛ وإذا كان الأمر بهذا النحو، لا يحقّ للذين يُريدون تعريفي وتقديمي للناس في ظرف من الظروف أن ينحتوا لي شخصيّة من دون عيب ونقص، ومن غير أيّ نقطة ضعف، ويضعوني في درجة الكمال؛ لأنّ هذه خيانة.
المسؤولية الملقاة على عاتق المؤرّخين ومؤلّفي السير
فإذا كنت أنقل بعض المسائل عن المرحوم العلاّمة والعظماء، فلأنّني أراهم بلغوا درجة الكمال؛ لكن، إن أردت الحديث عن شخص آخر يحتلّ درجة أدنى، يجب أن تكون الكلمات والإشارات والدقائق واللطائف التي أعرضها، بنحوٍ لا يُفهم منها الإطلاق والخلوص؛ ويُمكنكم مشاهدة هذا الأمر في كتب المرحوم العلاّمة؛ فحينما يقوم بعقد مقارنة بين أساتذته، فإنّنا نجده يُبيّن تلك المسائل والمقاصد بنحو دقيق ولطيف جدًّا، وفي قالب مجموعة من اللطائف والدقائق؛ وإذا كان القارئ واعيًا وملتفتًا، سيتسنّى له فهم تلك المراتب التي يقصدها المؤلّف. فهل الشخصيّة التي نسعى نحتها للإنسان تقف على قدم المساواة مع الإمام المعصوم والشخصيّة المطلقة؟ وهل ما نسعى لتقديمه للمجتمع يُماثل الإمام عليه السلام؟ هل هو كذلك أم لا؟ فإن لم يكن كذلك، لماذا يتعيّن علينا أن نُقدّمه للناس بطريقة تُسقطهم في الجهل والضلال والانحراف من هذه الناحية، بحيث ينتبهون بعد مرور عدّة سنين إلى أنّ الأمر لم يكن كما قيل لهم؟ ومن المسؤول عن هذا كلّه؟ إنّ جميع ذلك يرجع إلى هذه المسألة.
ويكشف لنا الإمام الصادق عليه السلام سرّ هذا المسألة وحقيقتها، حيث يريد أن يقول: إن كان غاية سعيك أيّها الكاتب كتابة الحقّ، فلا حاجة لك حينئذ إلى التفاخر على الناس، وإبراز ذاتك، وصناعة الأساطير، ونحت الشخصيّات، اكتب الحقّ والسلام؛ ومن شاء فليقبل، ومن شاء فليرفض؛ ولتقتصر على نقل الواقع إلى المخاطبين كما ظهر لك، ولا علاقة ببقيّة الأمور.
