
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن مسألة الرياء، والدافع الكامن من ورائها، وكيفيّة حبطها للأعمال، ليُعرّج بعد ذلك على مسألة إظهار بعض الشخصيات بصورة غير واقعيّة، ودور مؤلّفي السير فيها، ثمّ تطرّق إلى ضرورة اشتغال الإنسان بأداء التكاليف من دون الالتفات إلى نتيجة أعماله أو موقف الناس منها، وألاّ يتعدّى اهتمامُه هذه التكاليف، وإلاّ سينقلب عمله إلى مراء ومباهاة، ليختم كلامه في الأخير بالحديث عن أهمّية الإخلاص قبل الشروع في العمل
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
5فبما أنّ كلّ جمال يتجلّى في العالم ينتسب إليه تعالى، وهو الذي يمنحه [أي أنّه جمال مُعار]، فإنّ هذا الجمال يتحوّل إلى قُبح عند أدنى حمّى، ويتغيّر إلى نفور عند أقلّ مرض، ويتبدّل إلى لاجمال مع مرور يومين من الزمان؛ فقارنوا بين صوركم في مرحلة الشباب، وصوركم في مرحلة الكهولة والشيخوخة؛ وحينئذ، ستكتشفون هذا الأمر بكلّ سهولة؛ وقارنوا بين فترة المرض والنقاهة، وفترة الصحّة، لكي تتّضح لكم هذه المسألة تمامًا؛ فأين هو ذلك الجمال وتلك الوسامة؟ وأين هو ذلك السحر والغنج؟ اعثروا عليه، وآتوا به، وامسكوا به؛ لقد كان مجرّد عارية مُنحت للإنسان من مالكها الأصليّ، وقد استرجعها هذا المالك في الغد، واستردّها صاحبها الحقيقيّ؛ فالمال مختصّ بالله تعالى، وهو يهبه لأحدهم، ولا يهبه لآخر؛ وحتّى الإنفاق الذي يتعلّق بهذا المال صادر منه هو؛ فالعناية الإلهيّة وملائكة الرحمة الإلهيّة هي التي تنفخ في القلب، فتُصيّره رؤوفًا ورحيمًا وعطوفًا؛ فتقوم سماحتكم بوضع أيديكم في جيبكم، وتتصدّقون؛ ولهذا، فإنّ الإنفاق أتى من هناك؛ وإلاّ، لو لم تأت تلك الملائكة، وتحلّ بهذا القلب، وتُصيّره عطوفًا ورحيمًا وعاطفيًّا تجاه أبناء جلدته، لما وضع الإنسان يده في جيبه من الآن إلى أن تمرّ ألف سنة؛ وبالتالي، فإنّ الجود منه هو، والجمال منه هو، والكمال منه هو، وكلّ حُسن يبرز نفسه في هذا العالم منه هو، وينبغي أن يرجع إليه هو؛ وأمّا أنا وأمثالي، فلا نمتلك القابليّة على إبراز الذات وإظهار الوجود، ولو بمقدار ذرّة؛ وإذا كان لنا علم، فقد أفيض من العليم، وإذا توفّرنا على بيان، فقد أفيض من ربّ العالمين {اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}۱، وإذا حُزنا على كمال، فهو صادر منه سبحانه؛ هذا، وقد طرحنا سابقًا على الرفقاء والأحبّاء بعض المسائل بخصوص هذا الموضوع.
فمع أنّ الشرور وبُعدنا [عن الله].. كلّ ذلك يرجع إلينا نحن، وعلينا أن نسعى لكي نُظهره هو تعالى، وننسب إليه الخيرات والحسنات، فإنّنا نقوم بالعكس هنا، ونعمد إلى إذاعة الخيرات وما يرجع إليه هو، ونوصله إلى أسماع الناس، ونبرزه أمامهم؛ فنطبع كتابًا، ونضعه على مرأى من الجميع، ونقول: «انظروا إلى أسلوب الكتابة، والأبحاث المطروحة فيه»، لكن، إذا انتقده أحدٌ، تثور ثائرتنا، وننزعج، ونقول: «هل انتقدت هذا الكتاب أيّها السيّد؟!»؛ حسنًا، إن كنت ترغب في إبراز محاسنه، فعليك إظهار مساوئه أيضًا؛ وإذا اعتبرت أنّ محاسنه منك أنت، اعتبر أيضًا أنّ مساوئه منك أنت، وأنا لا أقول: «اعتبر محاسنه من الله تعالى»؛ لأنّه لا أحد يقوم بذلك؛ لكن، لنكن منصفين كحدّ أقلّ؛ فإذا أظهرنا المحاسن من أنفسنا، فلا ينبغي علينا الانزعاج حينما يصل الدور للمساوئ؛ فالله وحده العالم بالمخاطر التي تكتنف هذا الأمر، وكم هم الأشخاص الذين سقطوا في المهالك جرّاء عدم مراعاته، وكم هي المسائل التي حُرّفت عبر التاريخ بسببه، وما هي الحقائق التي بقيت طيّ الكتمان والخفاء والمسائل الواقعيّة التي ظلّت مختفية عن أنظار ذوي الاطّلاع بواسطته؛ لماذا؟ وما هي علّة ذلك؟ علّته هي هذا الأمر بذاته؛ أي أنّ النفس لا تُحبّ ـ بالنظر إلى مصالحها ـ أن تبرز ما يوجب النفور والاشمئزاز والتنبّه.
- سورة فصّلت، الآية ٢۱.
